اسمي ميادة عمري 35 سنة وفي يوم الثلاثاء اللي فات حصل قدّامي موقف عند خزينة الدفع
اسمي ميادة، عمري 35 سنة، وفي يوم الثلاثاء اللي فات حصل قدّامي موقف عند خزينة الدفع في صيدلية قريبة من بيتي… موقف لسه لحد النهارده مش قادره أنساه.
كنت داخلة أجيب دواء للبرد ومناديل… مشوار عابر قبل ما أرجع البيت.
والصيدلية كانت زحمة كالعادة في وقت الخروج من الشغل…
أُسر بتشد أولادها، موظفين مرهقين بيستلموا روشتات، ورجل كبير ماسك العدسة المكبّرة وبيدوّر على دوا معين.
قدّامي في الطابور كان واقف ولد مراهق — يمكن 16 أو 17 سنة.
طويل شوية، متوتر وواضح إنه محرج إنه واقف لوحده.
إيديه كانت بتتهز وهو ماسك علبة بخّاخ الربو وبطاقة ATM.
الموظفة مسحت العلبة على السيستم.
وطلّع الحساب: 2,150 جنيه.
الولد بلع
بص للسعر، وبعدين لبطاقته، وبعدين للسعر تاني.
وقال بصوت منخفض:
"أنا… كنت فاكر إن السعر أقل من كده."
بصّت له الموظفة بأسف وقالت:
"الأسعار زادت من الشهر ده يا حبيبي… وكام دواء عليهم تغيير في الدعم."
اتكسرت ملامحه.
وقال:
"معايا 1500 بس… ممكن… أطلّعي واحدة من العلبة؟"
وقبل ما تردّ، اتقدّم رجل كبير في السّن — نفس اللي ماسك العدسة.
وقال بهدوء:
"أنا هادفع له."
الولد اتلفت بسرعة وقال:
"لا… لا يا عمّي، مش لازم، أنا—"
قاطعُه الراجل بابتسامة هادية:
"يا ابني، أهم حاجة إنك تتنفس… مش كده؟"
دموع الولد نزلت فجأة.
وقال بصوت مهزوز:
"ده أول شهر أدفع فيه مصاريفي لوحدي… وأمي بتشتغل ليل… مكنتش
الراجل هزّ راسه بلطف:
"إنت ما بتقلّقش حد. ولما تكبر وتقدر، هتساعد حد غيرك. دي سُنّة الحياة."
مدّ بطاقته للموظفة بدون أي تردد.
ولما خلص الحساب، مسك الولد الدوا وقال:
"هاردّهم لك… والله هاردّهم لك."
لكن الراجل ابتسم بحُزن خفيف وقال:
"مش هتعرف تردّهم. مراتي الله يرحمها كان عندها ربو… وكل مرة كانت تخنق بالليل، كنت أتمنى لو حد يخفّف عنها الخوف ده."
سكت لحظة، وصوته اتكسر:
"هي راحت… بس أنا بساعد اللي أقدر عليه، في الوقت اللي أقدر فيه."
ساعتها الطابور كله سكت.
حتى الناس المستعجلة واقفت لحظة.
الولد قال بهمس:
"شكراً… بجد."
والرجل اكتفى بهزّة راس بسيطة ومشي ببطء، مسنود على عربية التسوّق
وأنا خارجة على الموقف، شُفته قاعد في عربيته القديمة، حاطط راسه على الدركسيون… كأنه شايل جواه حُزن كبير… ومعاه خير كبير.
وهنا فهمت:
هو ماكنش بيعمل كده علشان حد يشوفه،
ولا علشان يبقى بطل.
كان بيعمله لأن الحب…
ما بيموتش بموت أصحابه.
هو بس بيدوّر على قلوب جديدة يستقر فيها.
في ناس في الدنيا دي شايلة وجع كبير،
لكن بتحوّله لرحمة.
ناس ما بتعلنش خيرها،
ولا بتستنى رد جميل،
ولا بتدور على اللحظة المناسبه علشان تساعد.
هما بس… بيشوفوا حد محتاج.
وبيتحركوا.
تخيّل لو كلنا عملنا كده.
قد إيه مخاوف كانت هتختفي؟
وقد إيه أحمال كانت هتتخفف؟
وقد إيه ناس غريبة كانت هتتنفس براحة أكتر؟
العالم مش ناقص
العالم ناقص ناس شبه الراجل ده —
اللي مخلّين الحب عايش…
عشان بيدّوه لغيرهم.