قصة الثعبان الجائع والمرأة الطيبة

لمحة نيوز

قصة الثعبان الجائع والمرأة الطيبة

في أحد أطراف القرى الهادئة، حيث البيوت قليلة والطرق ترابية تحيط بها أشجار السدر والزيتون، كانت تعيش امرأة تُدعى ليلى، أرملة في منتصف الأربعين من عمرها، اشتهرت بين الناس برقّة قلبها وطيبة نفسها وحرصها على مساعدة كل محتاج. كانت تقضي معظم أيامها بين رعاية حديقتها الصغيرة والعناية بدجاجاتها والجلوس قرب نافذتها تقرأ أو تخيط أو تفكر في حياتها التي مضت بهدوء دون أن تشكو لأحد.

وفي مساء شتوي بارد، كان المطر قد توقف لتوّه بينما الهواء ما يزال بارداً كأنه يلسع الوجه لسعاً، خرجت ليلى لتجمع بعض الحطب الذي تركته تحت ظل شجرة قديمة. وبينما كانت تلتقط الأغصان، لمحت شيئاً يتلوى ببطء قرب جذع الشجرة. اقتربت بخطى حذرة، فإذا هو ثعبان كبير، ساكن، ملتف على نفسه كمن أنهكه البرد والجوع. رفعت ليلى مصباحها قليلاً لترى بوضوح، فلاحظت أنّ حركته ضعيفة وأنّ جسده يرتجف كأنه على وشك أن يموت.

وقفت لحظة تتردد، فهي تعلم أن الثعابين قد تقتل دون تفكير، لكن قلبها كان أقوى من خوفها. قالت في نفسها: “هذا مخلوق ضعيف، وربما لن ينجو هذه الليلة إن تركته”. ثم قالت بصوت مرتجف يخالطه الحنان: “أيّها المسكين، لستُ ممّن يترك مخلوقاً يموت هكذا”. بحثت حولها عن شيء تحمل به الثعبان، فوجدت بطانية قديمة قرب الحطب، فمدّتها ببطء ولفّت الثعبان فيها ثم حملته إلى داخل بيتها.

وضعت ليلى الثعبان قرب الموقد، وأحضرت له طبقاً فيه بعض قطع اللحم الصغيرة، ثم جلست بعيداً

عنه تراقبه بحذر. ظل الثعبان ساكناً في البداية، ثم بدأ يتحرك قليلاً، وكأن الدفء أعاد الحياة إلى جسده. قالت ليلى: “اهدأ يا ضيفي، لن أؤذيك”. لم يكن الثعبان يأكل، لكنّه كان يرفع رأسه كلما اقتربت منه، كأنه يحاول فهم ما يجري.

مرت أيام قليلة، وبدأ الثعبان يستعيد قوته، وكان كلما تحرك، تبع ليلى بنظره. شيئاً فشيئاً أصبح يتجول في البيت، ومع مرور الأسابيع صار يعتاد عليها حتى صار ينام قرب الموقد حيث تجلس ليلى ليلاً، بل ويتبعها ببطء من غرفة إلى غرفة. كانت تخاف أحياناً، لكنها كانت ترى فيه مخلوقاً أليفاً يتعلّم الطمأنينة تدريجياً.

وذات ليلة، بينما كانت ليلى تنام، شعرت بشيء دافئ وثقيل يلتف حول قدميها، نظرت فوجدت الثعبان قد اقترب منها كثيراً حتى صار يضع جزءاً من جسده فوق ساقها. خافت، لكنها حاولت إقناع نفسها أنه يريد الدفء فقط. قالت وهي تتنفس بقلق: “لا بأس… ربما يبحث عن الحرارة”. ولم يكن في قلبها مكان للظن السيئ.

مرت الأيام، وبدأ سلوك غريب يظهر على الثعبان. فقد توقف عن الأكل تماماً. كانت ليلى تقدّم له الطعام صباحاً ومساءً، لكنه لم يكن يلتفت إليه. صار يجلس قربها ساعات طويلة، ويليها بنظره حتى في أصغر حركاتها. كانت ليلى تشعر بالحزن عليه وتقول في نفسها: “هل يمرض؟ هل يتألم؟ وكيف أسعفه؟”.

وذات صباح، بينما كانت تراقبه وهو ثابت لا يتحرك، خطرت ببالها فكرة الذهاب به إلى الطبيب البيطري في البلدة المجاورة. وضعت الثعبان في صندوق كبير وحملته بصعوبة إلى عيادة الطبيب،

وهو رجل هادئ اسمه الدكتور هاشم عرفته منذ سنوات.

عندما دخلت عليه، قال لها وهو ينظر بدهشة: “ما هذا يا ليلى؟ ثعبان؟”. قالت وهي مترددة: “لقد وجدته يوم المطر قرب البيت وكان محتضراً، فآويته ورعيته، لكنه توقف عن الطعام منذ أسابيع”.

اقترب الطبيب من الصندوق، وراح يراقب الثعبان، ثم قال: “هل ظهرت عليه أي أعراض غريبة غير الامتناع عن الطعام؟”. فكرت ليلى قليلاً ثم قالت: “لا أعراض ظاهرة، لكنّه صار ينام بجانبي كثيراً، أحياناً يلتف حول جسدي عدة دقائق ثم يبتعد قليلاً، وعندما أستيقظ أجده ينظر إلي كأنه ينتظر شيئاً”.

نظر الطبيب إليها نظرة طويلة لم تفهم معناها، ثم قال ببطء: “وهل يلتصق بك كثيراً؟ هل يقيس جسدك؟”. ضيّقت عينيها وقالت: “لا أفهم… لكنه فعلاً يلتف حولي أحياناً حتى أكاد لا أتحرك”. عندها تنهد الطبيب تنهيدة ثقيلة وقال: “يا ليلى، هذا الثعبان ليس مريضاً… بل يستعد لالتهامك”.

شهقت ليلى كمن تلقّى صفعة، وقالت: “ماذا؟! كيف؟ كنت أطعمه وأحميه! كيف يفعل هذا؟!”. أجاب الطبيب بصوت ثابت: “الثعابين الكبيرة عندما تستعد لابتلاع فريسة بحجم كبير، تتوقف عن الطعام فترة طويلة حتى تفرغ معدتها تماماً. وهي تلتف حول الجسد كل ليلة لتقيس حجمه، لتعرف إن كان بإمكانها ابتلاعه أم لا. وما يفعلُه ثعبانك هذا ليس حباً ولا تعلقاً، بل هو قياس واستعداد”.

ضربت يدها على صدرها رعباً وقالت: “كنت أظنّه متعلقاً بي!”. فقال الطبيب: “أخطأتِ يا ليلى، فالمخلوق المفترس يبقى على طبيعته مهما أحسنتِ

إليه”.

خرجت ليلى من العيادة وهي في صدمة كبيرة، تمسك الصندوق بيد مرتجفة وتقول لنفسها: “كيف خدعتني طيبتي؟ كيف عميتُ عن الخطر؟”. وعندما وصلت إلى البيت، فتحت الصندوق، ونظرت إلى الثعبان نظرة طويلة، كأنها وداع بين مخلوق أنقذته وحيّة أرادت فناءها. ثم حملت الصندوق وتركته بعيداً عن البيت في الغابة، وقالت: “اذهب يا مخلوق الله، لكن لا تعد. لقد ظننتك صديقاً، فإذا بك ألدُّ الأعداء”.

عادت إلى بيتها وهي تشعر بثقل كبير في صدرها، وتقول لنفسها: “ليس كلّ من نمنحه الدفء يستحق أن نقربه، وليس كل من نُحسن إليه يعرف معنى الإحسان”.

وهكذا أدركت ليلى أن الإنسانية لا تكون على حساب سلامتها، وأن الحذر واجب حتى مع من يظهرون الضعف، فربما يخفون قوة لا يراها إلا العارفون. وأدركت أيضاً أن بعض الطبائع لا تتغير، وأن الرحمة لا تصلح لكل مخلوق.

وفي المساء، جلست قرب موقدها تتذكر ما حدث، ثم قالت بصوت منخفض: “يا رب، علّمتني درساً قاسياً، لكنه درس لا يُنسى”.

وفي النهاية أيها القارئ العزيز، هذه القصة ليست عن ثعبان وامرأة، بل عن كثير ممن يدخلون حياتنا بملامح الود واللين، بينما يخفون في داخلهم نيّات لا نراها. فاحذر رفقاء السوء، وابتعد عمّن قد يأذيك مهما كان قربه، ولا تجعل قلبك طريقاً سهلاً لمن لا يستحقه. وإن وجدت في حياتك ثعباناً بشرياً يتربص بك، فارفق به من بعيد، ولا تجعله قريباً منك.

وإن وجدت في هذه القصة حكمة أو فائدة، فانشرها لعلّها تنقذ أحدهم من ثعبان يبتسم وهو يعدّ

العدة لالتهامه.
#قصص وعبر وحكم

تم نسخ الرابط