هذه ليست قصة عن الفقر بل قصه عن الكرامة التي انتصرت بعد عشر سنين

لمحة نيوز

حين انحنت رؤوس أهل القرية في صمت مذعور وابتلعت الحناجر كلماتها كما تبتلع الأرض ماء المطر وقف الرجل في منتصف الطريق لا يطرف له جفن وعيناه معلقتان على الصغير الذي يقف خلف الباب يتطلع إليه بخجل وفضول. كان المشهد ثقيلا كأن الزمن توقف احتراما للحظة لا تكرر. تقدم الرجل خطوة كمن يخاف أن تتحطم الحقيقة إذا أسرع. تحركت شفتاه في محاولة لقول شيء لكن الصوت لم يخرج أول مرة. ثم قال بصعوبة جيمي وكأنه كان يختبر الاسم على لسانه لأول مرة في حياته وكأنه يريد أن يسمعه بصوت مسموع ليصدق أنه له. جيمي تراجع خطوة صغيرة ليس خوفا بل دهشة. كان ينظر إلى الرجل كما ينظر الطفل إلى صورة في كتاب ثم يراها تتحرك أمامه. أما إلينا فقد شعرت أن ساقيها ليستا قادرتين على حملها. ظلت واقفة فقط لأن الهواء حولها كان يضغطها إلى الخلف يمسكها من كتفيها كي لا تنهار.
اقترب الرجل أكثر وصوته ينكسر تحت وطأة سنوات ضائعة لم أكن

أعلم لم يخبرني أحد ظننت أنني فقدتك إلى الأبد. لم تستطع إلينا الرد. كانت الكلمات تعوم حولها في الهواء كأنها موجات بحر ارتطم بها قلبها فجأة. وأخيرا رفعت يدها المرتجفة قليلا محاولة إيقافه لكنها لم تقل شيئا. هو توقف حين رأى يدها فهم الرسالة وتراجع خطوة احتراما لما كانت تشعر به. أخذ نفسا عميقا ثم نظر حوله نحو الجيران الذين تزاحموا خلف الستائر وأكمل بصوت أكثر ثباتا جئت لأصل شيئا انكسر منذ سنوات. همس صوت امرأة مسنة من خلف نافذة يا إلهي يشبهه تماما! وأخرى قالت كان علينا أن نعتذر لقد ظلمناها.
لم تلتفت إليهن إلينا. كانت تنظر إلى الرجل إلى ذاك الوجه الذي حملته في ذاكرتها دون أن تدري أنها تحفظه بكل تفاصيله. قال لها أحتاج أن أتحدث معك ومعه من فضلك. لم تجبه مباشرة. بل نظرت إلى جيمي كأنها تريد أن تتأكد أن قلبه جاهز لسماع شيء أكبر من سنواته الصغيرة. لكن الطفل هو من كسر الصمت حين قال بصوت
خافت أمي من هذا وضعت إلينا يدها على كتفه وانحنت قليلا وقالت شخص ربما حان الوقت لتعرفه. التفتت نحو الرجل ومسحت دموعها بطرف كمها ثم قالت ادخل.
دخل الرجل بخطوات بطيئة كأن البيت كله مقدس لأنه المكان الذي عاش فيه ابنه دون أن يدري. جلس جيمي على الكرسي الخشبي الصغير بينما بقي الرجل واقفا للحظات لا يعرف أين يضع نفسه. ثم قال بصوت خافت اسمي أدريان كول. رفعت إلينا رأسها بسرعة كأن الاسم أيقظ شيئا نائما فيها. قال كنت في رحلة عمل في تلك الليلة لم يكن معي أي وسيلة تواصل بعدها. عطلت العاصفة كل شيء وعدت إلى الطريق الذي التقينا عليه مرارا أسأل عنك لكنني لم أجد أحدا يعرف اسمك. ارتجفت أصابع إلينا فوق حافة الطاولة. قالت دون أن تنظر إليه ظننت أنني رحلت لأني أردت ذلك قال بسرعة لا! لم أظن شيئا. كنت تائها. كنت أحمل اسمك في ذهني لكنني لم أعرف أين أبدأ. ثم اضطررت للسفر مجددا. ثم مضت الأيام. رفعت رأسها
نحوه والدمع محاصر في زاوية عينها أنا أيضا عدت إلى الطريق مرة واحدة. لم أجد شيئا ولا أحدا. بدا وكأن الهواء بينهما امتلأ بالأسئلة التي لم يسألها أحد.
تقدم أدريان خطوة نحو جيمي وانحنى على ركبته أمامه. كانت الحركة بسيطة لكنها بدت كأن الجبال كلها تراجعت أمامها. قال له هل تحب الطائرات أومأ جيمي بصوت صغير نعم. ابتسم أدريان ابتسامة لم يستطع إخفاء رجفتها كنت في عمرك وأرسمها بالطريقة نفسها. فتح جيمي عينيه بدهشة طفولية خالصة ورفع الدفتر الذي كان يمسكه انظر رسمت هذه أمس. أخذ أدريان الدفتر وكأنه يحمل كنزا. نظر إلى الرسم ثم رفع عينيه نحو إلينا إنه موهوب. لأول مرة منذ سنوات شعرت إلينا بأن قلبها يفتح. ليس للرجل أمامها بل للحقيقة التي بدأت تستعيد شكلها الصحيح.
وقف أدريان ثم قال بعمق جئت لأبقى إذا سمحتما لي. رفعت إلينا حاجبيها ليس رفضا بل خوفا من أن تكون هذه الجملة حلما هشا تعود الحياة
 

تم نسخ الرابط