خادمة سرا كان بتطعم ولد جعان بره القصر
إيما كانت ماشية وراه والقلب بيخبط في صدرها، كل خطوة بتحس إنها بتقربها من نهايتها.
الجو كان ساكت، وصوت المطر الخفيف هو اللي مالي المكان.
دخلوا القصر، والهواء جوا كان بارد كأنه بيفكرها هي فين… مكان ما يخصهاش.
ريتشارد وقف عند مدخل الصالة الكبيرة، ولف ناحيتها ببطء.
"قوليلِي يا إيما… كنتي بتعملي إيه عند البوابة؟"
هي حاولت تتكلم، بس صوتها كان بيرتعش:
"فيه ولد صغير يا سيدي… جعان، وكان بيطلب لقمة أكل. ما قدرتش أتجاهله، فـ… ادّيت له شوية بواقي من المطبخ."
سكت، وعينيه الباردة كانت سابتة عليها.
"يعني بتستعملي أكل القصر في حاجات من ورا ضهري؟"
"أنا آسفة يا سيدي… والله ما كنتش أقصد أعمل حاجة غلط، بس الولد ده كان هيقع من الجوع."
فضل ساكت ثواني طويلة جدًا، لحد ما إيما بدأت تحس إنها مش قادرة تتنفس.
وبعدين قال بهدوء:
"هاتيه."
اتجمدت
"الولد. هاتيه. دلوقتي."
اترددت لحظة، بس شافت في عينيه إنه مش هزار. خرجت بسرعة ناحية البوابة، والولد كان لسه هناك، واقف في المطر، ماسك الكيس اللي ادّتهوله.
"تعالَ، متخافش، الراجل اللي جوّا عايز يشوفك."
الولد بصّ لها بخوف، بس لما شاف الطيبة في وشها، مشي معاها.
ولما دخلوا الصالة، وقف قدام ريتشارد وهو بيبص لتحت، رجليه بتترعش.
ريتشارد قال بصوت واطي:
"اسمك إيه يا ولد؟"
"آدم، يا سيدي."
"فين أهلك يا آدم؟"
الولد اتنفس بصعوبة وقال:
"أمي ماتت، وأبويا… اختفى من زمان. أنا وأختي الصغيرة عايشين في المخزن اللي ورا الحديقة القديمة."
إيما غطّت بُقها من الصدمة. كانت فاكرة إن الولد بييجي من بعيد، مش إنه عايش في مكان قريب كده.
ريتشارد بصّ لها للحظة، وبعدها مشي ناحية الشباك من غير ما يتكلم.
وقف هناك، ساكت تمامًا.
الدقايق عدّت تقيلة جدًا، لحد ما اتكلم أخيرًا:
"إيما، خدي الولد على المطبخ. خليه ياكل كويس، وبعدها رجّعيه للمكان اللي قال عليه. أنا هاجي بعدين."
اتنفسَت الصعداء. كانت متوقعة يتصرف بعنف، بس صوته ما كانش فيه غضب… كان فيه حاجة تانية. حاجة شبه وجع.
إيما أخدت الولد المطبخ، سخنت له أكل، وفضلت تتابعه وهو بياكل بشراهة.
“فيه أختك كمان، صح؟ اسمها إيه؟”
“ليلى.”
“طيب بعد ما تخلص، خدني ليها.”
وبالفعل، بعد شوية، خرجوا من القصر وراحوا للحديقة القديمة اللي وراه.
المكان كان فعلاً مخزن مهجور، والطفلة الصغيرة كانت نايمة على بطانية قديمة، جسمها ضعيف جدًا.
إيما دموعها نزلت من المنظر.
بس فجأة، سمعت صوت خطوات تقيلة وراها…
ريتشارد كان جاي.
وقف قدام المخزن، ووشه كان باين عليه تأثر حقيقي.
بصّ على الطفلة الصغيرة، وبعدها بصّ لإيما وقال بهدوء:
“قد
الولد قال بخوف: “من أسبوع يا سيدي.”
ريتشارد سكت شوية، وبعدين قال كلمة واحدة غيرت كل حاجة:
“خدوهم جوّا.”
إيما بصّت له مش مصدّقة.
“جوّا القصر؟”
“قلت خدوهم جوّا.”
ومن اليوم دا، اتغيّر كل شيء.
ريتشارد جاب دكاترة يكشفوا على الولدين، وخصص لهم أوضة صغيرة في جناح العمال.
وبقى بيخرج بنفسه كل يوم يشوفهم.
حتى ابتسم مرة — أول مرة في حياة إيما تشوفه بيضحك.
وفي يوم، وهو واقف في البلكونة بيتفرج على الولدين بيلعبوا في الجنينة، قال لإيما بصوت هادي:
“عارفة يا إيما… زمان كنت زيهم. جُعت، واتسابوني، ومفيش حد سأل عني. يمكن عشان كده كنت بارد كده مع الناس. بس إنتي… فكرّتيني بالإنسان اللي كنت ناسيه جوايا.”
إيما ما لقيتش كلام ترد بيه. كل اللي عملته إنها ابتسمت بخفة، والدموع في عينيها.
ومن اليوم دا، ما بقتش الخدامة اللي
بقت الشخص اللي فتح له باب الرحمة من تاني.
النهاية