الرجل الذي سدد الدين بأنسانيته

لمحة نيوز

الرجل الذي سدد الدين بإنسانيته 
كانت الليلة تمطر بغزارة والبرد يقرص الوجوه كالسكاكين.
جلس أحمد فاضل داخل سيارته القديمة ينظر من زجاجها المبتل إلى الشارع الخالي يتنفس بصوت متعب ويقول لنفسه
يا رب رزقك واسع بس قلبي تعب.
كان أحمد سائق تاكسي في منتصف الأربعين يحمل في وجهه آثار السنين وشيبا غزا شعره قبل أوانه. يعيش على دخله اليومي الذي بالكاد يسد رمق أسرته الصغيرة. ومع ذلك لم يعرفه أحد إلا بابتسامته وبكلمته المعتادة لكل راكب متذمر
ولا يهمك يا بيه كله يعدي.
وفي تلك الليلة بينما كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل وقفت فتاة عند الإشارة ترتجف من البرد وثيابها مبللة بمياه المطر. لوحت بيدها لأحمد فاقترب منها وفتح الزجاج.
قالت بصوت مخنوق من شدة البكاء
أرجوك أمي بالمستشفى لازم أوصل حالا بس والله ما معايا فلوس دلوقتي.
نظر أحمد في عينيها للحظة طويلة ثم قال بلا تردد
اركبي بسرعة أهم حاجة توصلي.
تحرك التاكسي

يشق شوارع المدينة المظلمة والمطر يضرب الزجاج بقوة. جلست الفتاة في المقعد الخلفي تبكي بصمت وهي تهمس بين الحين والآخر
يا رب ما أموتش قبل ما أشوفها بخير
لم يسألها أحمد عن شيء. فقط زاد من سرعة السيارة وكأن خوفها صار خوفه. وحين وصلا إلى المستشفى نزلت مسرعة وقالت وهي تفتح الباب
ادعيلي يا عم أحمد أمي بتنازع.
ابتسم رغم وجعه وقال
ربنا كبير يا بنتي روحيلها بسرعة.
ركضت داخل المستشفى ولم تعد.
جلس أحمد في سيارته دقائق طويلة أمام الباب يراقب الضوء الخافت الخارج من قسم الطوارئ. ثم حرك سيارته ومضى دون أن يعرف حتى اسمها.
مرت الشهور ثم السنوات.
تغيرت أشياء كثيرة إلا حال أحمد. السيارة صارت تئن كعجوز مثله والدين يتضاعف وصحته تضعف يوما بعد يوم.
وذات صباح تعطلت سيارته نهائيا بعد أن كان آخر ما يملكه في الدنيا. جلس على الرصيف بجوارها يضع يده على رأسه يتمتم
حتى دي يا رب راحت
في المساء عاد إلى بيته بخطوات بطيئة ووجع ثقيل في
صدره.
استقبلته زوجته بوجه قلق
مالك يا أحمد
قال وهو يضع رأسه بين يديه
العربية انتهت والشغل انتهى حتى الأمل بقى بعيد.
اقتربت منه وقالت
ربنا ما بينساش عباده الطيبين. يمكن يفتحلك باب من حيث لا تدري.
ابتسم بحزن وهو يهمس
بابي أنا مقفول من زمان يا سعاد
وفي صباح اليوم التالي رن هاتفه القديم.
رد بصوت مبحوح
أيوه مين معايا
جاءه صوت هادئ من الطرف الآخر
أستاذ أحمد فاضل إحنا من إدارة مستشفى النور حضرتك مطلوب تمضي عقد شغل كسائق عندنا.
تفاجأ وقال بسرعة
مستشفى النور! بس أنا ما قدمتش شغل هناك!
رد الموظف
ما تقلقش في شخص رشحك بنفسه وقال إنك أهل للثقة تعال بكرة ومعاك بطاقتك.
لم ينم أحمد ليلتها وهو يفكر
مين يرشحني وأنا اللي ناسي نفسي
وفي اليوم التالي ذهب إلى المستشفى.
استقبله أحد الموظفين بابتسامة ودودة ثم اصطحبه إلى مكتب كبير في الطابق الثالث.
وحين فتح الباب توقفت أنفاسه.
كانت أمامه فتاة شابة في معطف أبيض ملامحها مألوفة
ابتسامة دافئة ودموع تتلألأ في عينيها.
قالت بصوت مرتعش
أخيرا لقيتك يا عم أحمد أنا البنت اللي ساعدتها في المطر زمان لما كانت أمي بتموت.
اتسعت عيناه بدهشة وشهق قائلا
يا الله إزاي!
قالت وهي تقترب منه
بعد الليلة دي أمي خفت وأنا قررت أكمل دراستي وأبقى طبيبة زي ما كانت تتمنى. كنت بدور عليك من سنين علشان أشكرك. دلوقتي دوري أرد الجميل.
وضعت أمامه عقد العمل وقالت بابتسامة صادقة
المستشفى محتاجة سائق زيك والأجرة ضعف اللي كنت بتكسبه.
غمرته الدموع ولم يجد ما يقوله سوى
سبحان من ما بينساش المعروف حتى لو نسيه صاحبه.
ومنذ ذلك اليوم عاد أحمد إلى بيته وجهه مضيء بالطمأنينة. صار يحكي لأولاده كل ليلة
لما تعمل خير متستناش المقابل الخير بيوصل لو بعد سنين في وقت محتاجه فيه.
ومات أحمد بعد سنوات من الرضا والستر مبتسما كأنه يهمس للعالم من خلف ابتسامته الأخيرة
ما سددت الدين بمال سددته بإنسانيتي.
لو عجبتك قلنا رايك ف الكومنتات ومتنساش
تعمل شير
حواديت ساجده 
السعوديه الامارات قصص قصه وعبره

تم نسخ الرابط