يحكى في قرية منسية
يحكى في قرية منسية عرف فيها القضاء ببطءه والعدالة بثقلها جلس القاضي ضياء على كرسيه المرتفع في مجلس القضاء يخط بعصاه فوق الرمل الدقيق الذي كان يفرش أمامه بدل الورق فهو رجل لا يقرأ ولا يكتب لكنه يزعم أن بصيرته لا تخطئ وأن قلبه هو ميزان الحكم ويده لا تميل إلا للحق.
كان ضياء في الأربعين من عمره متأنقا في لبس عباءته البيضاء المطرزة خبيرا بالناس وخفاياهم وأكثر ما يعرف عنه أنه لا يرد هدية تأتيه بل يبتسم ويردد
من أدب السائل أن يكرم القاضي ومن فطنة القاضي أن ينزل كل هدية منزلتها...
وذات صباح طرق باب داره رجلان الأول يدعى راشد بائع دجاج يعرف بنظافته وشدة مراعاته لأحوال زبائنه والثاني يدعى منير بائع بطيخ مشهور بحنكته في السوق وسعة حيلته.
دخل الاثنان على القاضي وانحنى كل منهما بخشوع ثم تكلم راشد أولا أيها القاضي إن لي عند هذا الرجل دينا منذ ثلاثة أشهر إذ أخذ مني عشر دجاجات سمينات بثمن مؤجل وحين طالبته به تهرب مني وقال إن البضاعة لم تكن كما ادعيت.
رد منير بوقار كلا يا مولاي لقد اشتريت منه دجاجا بالفعل لكنه كان مريضا ومات أكثره قبل أن أتمكن من بيعه
رفع القاضي حاجبيه وقال الحجة بالحجة والقول لا يقبل دون بينة سننظر في الأمر غدا عند مجلس القضاء العلني وعلى كل منكما أن يحضر شهوده.
أومأ الرجلان بالموافقة وانصرفا.
لكن... لم ينصرفا إلى منازلهما فحسب بل انصرف كل إلى خطة مضمونة.
في مساء ذلك اليوم طرق أحد الخدم باب دار القاضي ومعه قفص خشبي متين بداخله سبعة ديوك بيضاء. فتح القاضي الغطاء وإذا بها ديوك تشبه تلك التي تقدم في ولائم السلاطين. سأل الخادم من من هذه النعمة
أجابه من التاجر راشد بائع الدجاج قال إنها هدية صغيرة إلى عدل القاضي الكبير وإلى بطنه أيضا.
ضحك القاضي وقال لزوجته فريدة التي وقفت خلفه تراقب بدهشة انظري كيف يعرف الناس من يكرمهم. هذا رجل فطن يعرف الطريق إلى الحق!
وفي اليوم التالي وفي وقت الظهيرة حين كانت الشمس تلقي بحرارتها على رؤوس الناس جاء خادم آخر إلى دار القاضي يحمل صندوقا من القش بداخله خمس بطيخات خضراء يانعة من الحجم الكبير.
قال الخادمهدية بسيطة من منير بائع البطيخ إلى من لا يخطئ في الحكم ولا يساوي
نظر القاضي إلى زوجته وهمسغريبة أرسل البطيخ في هذا الوقت لقد وصل متأخرا والدجاج سبق بل طبخت منه ديكا بالأمس!
ضحكت زوجته وقالت وما يضيرك نتذوق البطيخ لنحكم عليه فربما وجدنا فيه ما لا يوجد في الدجاج!
أمسك القاضي بسكينه وشق أول بطيخة فإذا بداخلها بريق يلمع. أمعن النظر فإذا بليرة ذهبية مدفونة في لبها الأحمر مغلفة بورق مشمع. صعق وقال يا الله... هل رأيت
شق الثانية فوجد ليرة أخرى.
ثم الثالثة... والرابعة... حتى وجد خمس ليرات ذهبية في كل بطيخة.
قال وهو يتنفس ببطء لا... لا يمكن أن يكون هذا محض صدفة هذا رجل يعرف من أين تؤكل القلوب!
نظرت إليه زوجته بدهشة وقالتألن تحكم لصالح راشد كما قررت
رد بهدوء مريب القلوب تتغير يا فريدة... والحق ما رآه القاضي.
وفي صباح اليوم التالي تجمع الناس في مجلس القضاء وجلس القاضي ضياء على كرسيه والناس تنظر إليه وهو ينظف أظافره بريشة طاووس حتى وقف راشد وقال مولاي هل حضر شهودك
قال القاضي لا حاجة لي بالشهود فقد ثبت عندي أن الرجل لم يأخذ منك شيئا له قيمة. حكمت برفض دعواك.
دهش راشد وصرخ بمرارة وكيف هذا! لقد
نظر القاضي إليه ببرود وقال المؤذن يا راشد... يؤذن ولا يصلي أما البطيخ فلا يؤذن بشيء لكنه حين تشق قلبه يضيء ذهبا. فهل تقارن من يجيد الادعاء بمن يثبت حسن نيته بالجوهر
وقف الجميع مذهولين من كلام القاضي.
وهمس أحد الحاضرين لجاره أتعلم
ما أسوأ أن يكون القاضي فصيحا يزين الباطل بحجة والرشوة بحكمة فيضل العقول باسم البلاغة.
فقال الآخر والأدهى أن يصبح الناس على دراية بذلك لكنهم يصفقون له كأنه عادل فقط لأنه أنيق في خيانته!
العبرة
قد تضحك من القصة وتبتسم من بلاغة القاضي في تبرير خيانته لكن الحقيقة أن ما يفسد ميزان العدل ليس الخطأ بل القصد وما يهدم الأوطان ليس الظلم وحده بل الناس التي تتعايش معه وتباركه إن جاءها منه نصيب.
احذر أن تكون بطيخة تخفي ذهبا أو ديكا يصرخ بالحق وهو منافق.
فأحيانا... لا يعرف الظالم من المظلوم إلا عندما تنظر إلى ما في القلوب لا ما في الأيادي
اذا. كنت. من. محبي القصص و القراءة. سجل اعجابك بصفحة قصص وعبر وحكم
حتى. بصلك. الجديد
فضلا لا. فرضا احبتي علق. باسم