الطرقات الثلاث عند الفجر
العنوان: الطرقات الثلاث عند الفجر
تزوجتُ من "جواد" بعد عامين من حبٍّ هادئٍ لا تشوبه الريبة، كنا نظن أننا سنبني حياة بسيطة مطمئنة. كان بيت العائلة الذي نقطن فيه فسيحًا تحيط به أشجار الليمون، تتوسطه ساحة صغيرة تملؤها رائحة التراب المبتلّ بالمطر. كانت تسكن معنا والدته "زهرة"، امرأة في أواخر الستين، هادئة النظرات، قليلة الكلام، لكنها تملك حضورًا غامضًا لا يمكن تجاهله.
منذ الأيام الأولى للزواج لاحظت أمرًا غريبًا يحدث في الليل. في تمام الساعة الثالثة صباحًا كنت أستيقظ على ثلاث طرقات خفيفة على باب غرفتنا، طرقات بالكاد تُسمع لكنها كافية لأن توقظني في كل مرة. في البداية ظننت أن زهرة ربما تحتاج شيئًا، أو أنها أخطأت الباب. كنت أنهض لأفتح، فلا أجد أحدًا في الممر الطويل إلا ظلال الضوء الخافت المنبعث من مصباح الحائط، وصمت يملأ المكان كأن الزمن توقف عنده.
تكرر الأمر مرات كثيرة حتى أصبحت أترقب الساعة الثالثة برهبة. كنت ألتفت إلى جواد كل مرة وأسأله:
أسمعت؟ إنها تطرق الباب من جديد.
فكان يفتح عينيه بتثاقل ويقول بصوت ناعس:
دعينا ننام يا هناء، أمي تعاني الأرق، إنها تتجول في الليل ثم تعود إلى غرفتها.
لكنني لم أقتنع قط. كان شيء في تلك الطرقات يقول إنها ليست مجرد عادة نوم مضطربة.
بعد أسابيع قررت أن أكتشف الحقيقة. اشتريت كاميرا صغيرة وثبتها خفية قرب باب الغرفة، دون أن أخبر جواد. كانت تلك الليلة طويلة
في الصباح جلست أمام الكاميرا، يداي ترتجفان وأنا أراجع التسجيل. وما إن ظهرت زهرة على الشاشة حتى انكمش قلبي. كانت ترتدي ثوبًا أبيض فضفاضًا، شعرها رمادي منسدل على كتفيها، ووجهها خالٍ من التعبير كأنها تمثال يتحرك ببطء. تقدمت بخطى ثابتة إلى بابنا، نظرت حولها، ثم طرقت ثلاث مرات. وقفت بعدها ساكنة أمام الباب عشر دقائق كاملة لا تتحرك، فقط تحدق في القفل بعيون ساكنة ميتة البريق. ثم أخرجت من جيبها مفتاحًا صغيرًا أدخلته في القفل ولم تدِره، بل تركته مكانه لحظة ثم سحبته وغادرت.
تجمّدت في مكاني، وشعور غريب بين الخوف والشفقة يعتريني. حين عاد جواد من عمله أريته التسجيل. ما إن رأى المشهد حتى تبدّل وجهه، فقد لونه، وأمسك رأسه بيديه وهمس:
أمي... أمي ليست بخير.
صرخت في وجهه:
كنت تعلم؟ كنت تعلم ما تفعله كل ليلة؟
رفع رأسه ببطء وقال بصوت مبحوح:
أمي تفعل ذلك منذ سنوات قبل زواجنا، لكنني ظننت أن زوال الوحدة سيشفيها.
في تلك الليلة لم أستطع النوم. وفي الصباح ذهبت إليها. كانت جالسة في الشرفة تمسك فنجان الشاي، وعيناها تراقبان شيئًا بعيدًا خلف الأفق. اقتربت منها وسألتها بهدوء:
أمي زهرة، هل يمكن أن أسألك سؤالًا؟
أجابت دون أن تلتفت:
اسألي.
لماذا تطرُقين بابنا كل ليلة؟
وضعت فنجانها ببطء وقالت بنبرة خالية من الانفعال:
ربما لأنني أسمع أحدًا
لكن لا أحد هناك.
نظرت إلي أخيرًا، نظرة باردة جعلتني أرتجف وقالت:
أنت لا ترين، ولكنني أسمع. لقد عاد.
حين أخبرت جواد بما قالت، قررنا أخذها إلى طبيب مختص. في العيادة جلسنا جميعًا، والطبيب يسألها برفق عن نومها وأحلامها. ظلت صامتة معظم الوقت إلى أن همست فجأة:
يجب أن أراقب الباب... لا أريد أن أفقد ابني مرة أخرى.
حين انتهى اللقاء استدعانا الطبيب على انفراد وقال:
السيدة زهرة تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة. قبل أكثر من ثلاثين عامًا تعرض بيتهم لسطو ليلي، قُتل زوجها أمام عينيها، ومنذ تلك الليلة أصبحت تخاف الليل والأبواب المغلقة. طرقاتها على بابكم ليست وسواسًا، إنها محاولة لاشعورية لتأكد أن الباب مغلق، وأن ابنها بأمان.
خرجنا من العيادة ونحن نحمل شعورًا مختلطًا بالأسى والذنب. كنت أظنها تكرهني، لكنها كانت تحاول حماية ما تبقى من عالمها المكسور.
في الأيام التالية، جلستُ معها كثيرًا. كانت تحكي لي عن زوجها الراحل “فارس”، وعن تلك الليلة التي غيّرت حياتها. قالت لي بصوت متهدج:
حين سمعت الصراخ من غرفة النوم، ركضت نحوه. رأيته ينهار أمامي، ويده ما تزال على مقبض الباب. كنت أصرخ حتى اختفى الصوت من حنجرتي. منذ تلك الليلة لا أنام إلا وأنا أراقب الأبواب.
أمسكت يدها وقلت:
أمي، لا أحد سيؤذي جواد الآن، لقد كبر وأصبح مسؤولًا عن نفسه. حاولي أن ترتاحي.
نظرت إلي والدموع في عينيها وقالت:
أريد أن أصدقك،
مرت أسابيع من العلاج والمتابعة، وبدأنا نضع عادات جديدة. كنت أذهب معها كل مساء لنتفقد الأبواب والنوافذ. نُغلقها معًا ثم نجلس نحضّر الشاي ونتحدث. شيئًا فشيئًا صارت تبتسم، وتروي لي ذكريات طفولتها، وتضحك حين يمر جواد ليمازحها.
في أحد الأيام طلبت مني أن أرافقها إلى المقبرة لزيارة قبر زوجها. هناك جلست أمام شاهد القبر طويلاً ثم قالت بصوت مكسور:
فارس، غفرتُ للّيل بعد ثلاثين عامًا، وها أنا أتعلم أن أعيش.
حينها أدركت أن المرأة التي كنت أخافها ليست سوى أمٍ تحمل خوفها كعبء ثقيل لا يريد أن يزول.
بعد شهور، لم تعد هناك طرقات في الثالثة صباحًا. صار الليل هادئًا كأنه يشاركنا السلام. كانت زهرة تنام باكرًا وتستيقظ مبتسمة. وذات صباح قالت لي:
الليلة الماضية، لم أسمع شيئًا عند الباب، ربما لأنني أخيرًا آمنت أنكم بخير.
حين جلست بعد ذلك أتأمل ما حدث، فهمت أن الإنسان لا يُشفى من ماضيه بالنسيان، بل بالفهم والرحمة. زهرة لم تكن مجنونة ولا شريرة، بل كانت أمًّا خائفة ظلت حبيسة لحظةٍ واحدةٍ لم تستطع مغادرتها.
تعلمت أن الحب الحقيقي ليس ما نمنحه لمن يشبهنا، بل لمن يصعب علينا فهمه، لأن في الفهم شفاءً أعمق من كل دواء.
وهكذا، حين تختفي الطرقات من الأبواب، يبقى الصدى في القلب يذكّرنا أن بعض الخوف ليس عدوًّا، بل نداء خفيٌّ إلى الطمأنينة.
#قصة_وعبرة #حكاية #قصص #حكمة #رحلة_الى_عالم_الحكايات #اكسبلور