حين أختار القلب مالم تره العين

لمحة نيوز

العنوان: حين اختار القلب ما لم تره العين

في مساءٍ من أمسيات الشتاء التي تكتسي فيها المدينة بثوبٍ من الهدوء والبرد والحنين، كنت جالسًا أمام شاشة هاتفي، أقلب صفحات مواقع التواصل كما يفعل الملايين، أبحث عن شيءٍ لا أعرفه بالضبط، عن حكايةٍ ربما، أو عن شخصٍ يُخرِج هذا القلب من فراغٍ بات يُثقله.
ولأن الأقدار تأتي على حين غفلة، وصلتني رسالة من فتاةٍ لم أكن أعرفها، اسمها رِيام. كانت كلماتها بسيطة، لكنّها دخلت قلبي بلا استئذان. سألتني عن منشورٍ كتبته قبل أيام، وأبدت إعجابها بطريقة تفكيري. لم يكن الأمر ذا أهمية في البداية، لكن ما أن مضت دقائق من حديثنا حتى شعرت بأن بيننا خيطًا من الألفة، خيطًا دافئًا لم أعرف مثله منذ زمن.

تكرّرت الأحاديث، يوماً بعد يوم. كنّا نتحدث عن كل شيء: الكتب، والأحلام، والخيبات، وضجيج المدن، وحتى عن رائحة المطر. كانت تتكلم بعفوية تجعل الكلمات تبدو أكثر صدقًا. كانت ذكية، تملك روحًا مرحة، وصوتًا يملؤه الحياء والرقة. كنت أبتسم كلما ظهرت إشعاراتها على هاتفي دون أن أدرك السبب.

مرت أسابيع ونحن نتحدث يوميًا كأننا صديقان قديمان جمعتهما المصادفة من جديد، ثم جاء اليوم الذي قالت فيه بخجلٍ ظاهر:
ــ ألا يجدر بنا أن نلتقي؟ الكلام عبر الشاشة لا يكفي أحيانًا.
ترددت للحظة، لكن الفضول غلبني، فوافقت، وحددنا مكان اللقاء في أحد المقاهي الهادئة المطلة على النيل.

حين وصلت إلى هناك، كنت متأنقًا كما أفعل دائمًا، فصورتُي أمام نفسي كانت مهمة، وقد كنت دائمًا أرى أن الوسامة مفتاح الانطباع الأول. جلست

أراقب الداخلين واحدًا تلو الآخر حتى لمحْتها.
كانت تسير بخطى مترددة، ترتدي فستانًا بسيطًا، وشالًا بلونٍ هادئ يلفّ كتفيها، وفي وجهها ملامح طيبة لا تُشبه ما كنت أتخيله. لم تكن جميلة بمعايير الناس، لكن في عينيها شيء لا يوصف؛ صدقٌ، وسلام، ونور يشبه الطفولة.
وقفت أمامي وقالت بخجل:
ــ أنت سامر، أليس كذلك؟
ــ نعم، وأنتِ ريام؟
ــ أجل، وأخيرًا نلتقي.

ابتسمت وجلست، وتحدثنا طويلًا. كنت أحاول أن أبدو طبيعيًا، لكن في داخلي كان شيءٌ صغير يهمس لي بأنّها لا تشبه الصورة التي رسمتها في خيالي، وأن الشكل بالنسبة لي لطالما كان له تأثير كبير. ومع ذلك، كانت طريقتها في الكلام تجذبني رغماً عني، وكأن روحها تُخاطب شيئًا خفيًا بداخلي.

حين ودعتها في نهاية اللقاء، صافحتني قائلة:
ــ سعدت بلقائك يا سامر، هل التقيت ما كنت تتوقعه؟
أجبتها وأنا أبتسم:
ــ وأكثر.

لكنّ الحقيقة كانت مختلفة؛ إذ لم أكن منبهرًا بجمالها كما توقعت، وأمضيت طريقي إلى البيت وأنا أفكر: "كيف أنسحب دون أن أجرحها؟". كانت إنسانة رقيقة جدًا، وأي كلمة قاسية قد تكسرها. فقررت أن أستمر في الحديث معها لبعض الوقت، إلى أن أجد طريقة لابتعادي دون أن تظن أن السبب هو شكلها.

واصلنا التواصل كما كنا من قبل، بل زدت من اهتمامي بها حتى لا تشك في شيء. كانت تسألني أحيانًا بصوتٍ خافت:
ــ هل أعجبتك يا سامر؟
فكنت أقول على الفور:
ــ أنتِ جميلة جدًا، بل أنتِ القمر بعينه.
وكنت أقولها لأحميها، لا لأعبّر عن حقيقة شعوري.

لكنّ الأقدار لا تعبأ بتخطيط البشر. فبعد أسابيع قليلة، بدأت

ألاحظ أنّ غيابها عن هاتفي يزعجني، وأنّ رسائلها حين تتأخر تُشعل بي القلق، وأنّ ضحكتها في التسجيلات الصوتية تترك في صدري فراغًا حين تختفي. كنت أتساءل في نفسي: "أيعقل أنني وقعت في حبها؟ أنا الذي كنت أنوي الهروب منها؟"

في إحدى الليالي، بعد أن طال بيننا الحديث عن معنى الحب الحقيقي، سألتني فجأة:
ــ سامر، لو جاءتك فتاةٌ لا تُرضيك ملامحها، لكن روحها أحبّتك بصدق، أتتزوجها؟
تلعثمت، ثم أجبتها:
ــ إن أحببتها بصدق، فالجمال سيتحول إلى شيء آخر في نظري.
قالت بابتسامة هادئة:
ــ إذن أنت تؤمن بأن القلب أصدق من العين؟
أجبتها:
ــ ربما... ولكن العين تخدع أحيانًا، والقلب لا يكذب.

مرت الليالي، وتبدل حالي. صرت أفتقدها في صمتي قبل كلامي، وأشعر أنني وجدت في قربها السكينة التي لم أجدها في وجوهٍ كثيرة كانت أجمل منها ألف مرة. حين تتحدث، كانت تمنحني راحةً لا تفسير لها. حين تغضب، كنت أشعر بأن الدنيا كلها تضيق عليّ.

عندها قررت أن أصلي الاستخارة. كنت خائفًا أن أكون أسير عاطفة مؤقتة، لكن في كل مرة كنت أجد قلبي مطمئنًا، وكأنّ الله يقول لي: "هي لك."

ذات صباح، اتصلت بها وقلت:
ــ ريام، أريد أن أراك.
ــ خيرًا؟
ــ أمر مهم.

التقينا في المكان نفسه الذي شهد لقاءنا الأول، وحين جلست أمامي، نظرت إليها طويلاً حتى تلعثمت من الخجل وقالت:
ــ ما بك تنظر إليّ هكذا؟
قلت بهدوء:
ــ كنت أبحث عن الجمال الذي لم أره يوم التقينا أول مرة، فوجدته اليوم يسكن ملامحك.
ثم أضفت:
ــ ريام، أتقبلين أن تكوني زوجتي؟

ارتجفت شفتاها، وغرقت عيناها بالدموع،

وقالت بصوتٍ متهدّج:
ــ أتتحدث جادًا يا سامر؟
ــ أكثر مما كنت جادًا في حياتي كلها.

وبكينا سويًا، لا لشيء، بل لأنّنا شعرنا أن الله جمع بين قلبين لم يجمع بينهما الشكل ولا المظهر، بل الصدق والطمأنينة.

تم الزواج بعد أشهرٍ من الخطوبة، وكانت تلك الفترة من أجمل أيام حياتي. كانت سندًا ورفيقةً وصديقةً قبل أن تكون زوجة. اكتشفت أنني أحبها بكل تفاصيلها، بضحكتها الصافية، بطريقة اعتذارها حين تخطئ، وبسذاجتها أحيانًا حين تحاول إرضائي.
كنت أقول لها دائمًا وأنا أمسك بيدها:
ــ تعلمين يا ريام؟ يوم سألتني هل أعجبتك؟ كذبت حين قلت إنك مثل القمر.
فتضحك وتقول:
ــ ولماذا الكذب؟
فأجيبها وأنا أبتسم:
ــ لأنك الشمس، والقمر لا يضيء دون نورك.

مرّت خمس سنوات منذ زواجنا، ولم تشرق عليّ شمس إلا ووجهها أول ما أراه. صرت أوقن أن الجمال ليس ما تراه العين، بل ما يشعر به القلب حين يطمئن، وأنّ الملامح تزول مع الزمن، أما الروح الجميلة فتبقى تعطر العمر كله.

لقد أحببتها بعد أن ظننت أنني لن أستطيع، وتعلمت منها أن الله لا يمنحنا دائمًا ما نطلبه بأعيننا، بل ما نحتاجه بقلوبنا.

أيها القارئ العزيز، إن نظرتك الأولى قد تخدعك، وإن حكمت على الناس بملامحهم فربما تُفوّت على نفسك نعمةً كتبها الله لك. لا تبحث عن الجمال في الصور، بل ابحث عنه في الهدوء الذي يغمرك حين تتحدث إلى أحدهم، في الدعاء الصادق، في الخوف عليك حين تمرض، وفي اليد التي لا تتركك حين يسقط الكل.
الجمال يا صاحبي، ليس في الملامح، بل في من يُعيدك إلى نفسك كلّما ضيّعك العالم.

#رحلة_

الى_عالم_الحكايات #قصة_حب #عبرة_وحكمة #الحب_الصدق #حين_اختار_القلب_ما_لم_تره_العين

تم نسخ الرابط