امتحان الصدق

لمحة نيوز

عنوان القصة: "امتحان الصدق"

في مملكةٍ بعيدة، كان الملك إلياس قد بلغ من العمر عتياً، ولم يبقَ له من الورثة سوى ابن واحد، الأمير آسر.
كان الأمير محبوبًا من أهل المملكة لدماثة خلقه وحكمته المبكرة، لكن والده كان يخشى أن يضل الطريق إذا لم يجد امرأة صالحة تعينه على الحكم وتكون سندًا له في شدائد الزمان.

ذات مساء، جلس الملك مع ابنه في قاعة العرش المهيبة، حيث السجاد الأحمر يمتد حتى الأعمدة الذهبية.
قال الملك وهو يحدّق في ابنه:
– "يا بني، لقد حان الوقت لتختار زوجة تعينك على أمور الحكم، ولكن اعلم أن حسن الوجه لا يدوم، وأن المال قد يزول، وإنما يبقى صلاح النفس وصدقها."
أجاب الأمير باحترام:
– "صدقت يا أبي، ولكني لا أعلم كيف أختبر صدق الناس، فالكل يدّعي الطيبة والوفاء."

ابتسم الملك بخبرة السنين وقال:
– "سأدبّر لك أمرًا يكشف لك خبايا القلوب."

في صباح اليوم التالي، أمر الملك المنادين أن يعلنوا في الأسواق والساحات أن الأمير آسر سيختار زوجته من بين فتيات المملكة، وأن

كل فتاة راغبة عليها أن تحضر إلى قصر الملك بعد ثلاثة أيام.

انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم. راحت الأمهات تجهزن بناتهن بالحرير والذهب، وانشغلت البيوت بالخياطة والتزيين. كان الكل يطمع أن تكون ابنته أميرة على العرش.

في أحد الأحياء البعيدة عن القصر، عاشت فتاة بسيطة تُدعى ليان مع والدتها الأرملة. لم يكن في بيتها ذهب ولا حرير، لكنها عُرفت بين جيرانها بالصدق وعفة اللسان. وحين سمعت بالخبر، قالت لأمها:
– "أمي، أيعقل أن يختار الأمير فتاة مثلي؟"
أجابتها الأم بحنان:
– "يا بنيتي، الفضل ليس في الزينة، بل في صفاء القلب، اذهبي وجربي، فما كتب لكِ لن يمنعه أحد."

حلّ اليوم المنتظر، واصطفت الفتيات في ساحة القصر.
وقف الملك وإلى جواره الأمير آسر، وأمر الجنود أن يوزعوا على كل فتاة صندوقًا صغيرًا من الخشب.
رفع الملك صوته قائلاً:
– "في هذه الصناديق أمانة. على كل واحدة منكن أن تحتفظ بها شهرًا كاملًا، ثم تعود بها إليّ كما هي. عندها سأعلن من تستحق أن تكون زوجة لابني."

فتحت

الفتيات الصناديق على عجل، فوجدن داخلها حُليًّا ثمينة وأحجارًا كريمة صغيرة. ارتفعت الهمسات بينهن:
– "ما معنى ذلك؟"
– "أيمكن أن يكون هذا هو الاختبار؟"

في تلك الليلة، اجتمعت الفتيات مع أمهاتهن وبدأن في التفكير. بعضهن خطر لهن أن يستبدلن الحلي بحلي مزيف، حتى إذا طُلب منهن إرجاعها احتفظن بالأصلية. وبعضهن بعن الجواهر خفية ليشترين بها زينة جديدة، وقلن في أنفسهن: "لن يكتشف الملك أمرنا."

أما ليان، فقد وضعت الصندوق في صدر بيتها وأقفلته، وكانت كل ليلة تفتحه لتتفقد محتواه، ثم تعيده كما هو، وهي تتمتم:
– "إنها أمانة، ولن أخونها مهما كان."

مرّ الشهر، وعاد الجمع إلى القصر. وقف الملك في بهو العرش، وأمر الفتيات أن يقدمن صناديقهن واحدًا تلو الآخر.
جاءت الأولى، وقد امتلأ صندوقها بالجواهر اللامعة، لكنها لم تكن نفس التي أعطيت لها. تفحصها الملك بصمت ثم أشار لها بالانصراف.
جاءت الثانية، وقد زادت على ما في الصندوق حُليًّا أخرى لتوهم الملك بكرمها. نظر إليها الملك ببرود ثم صرفها.

واحدة تلو الأخرى تقدمن، وكلما فتش الملك صندوقًا لاحظ التلاعب فيه، حتى لم يبق إلا فتاة واحدة.

كانت ليان تتقدم بخطوات بطيئة، تحمل صندوقها كما هو. وضعت الصندوق بين يدي الملك وقالت:
– "مولاي، هذا ما عهدتني عليه. لم أغيّر ولم أزد ولم أنقص. هو كما كان يوم استلمته."

فتح الملك الصندوق، فإذا هو نفسه، لم يتغير فيه شيء. عندها نهض الملك واقفًا، وضرب بعصاه على الأرض وقال بصوت عالٍ:
– "أيتها الحاضرات، إنما كان هذا امتحانًا للصدق. فقد وزعت عليكم جواهر حقيقية، وأردت أن أرى من تحفظ الأمانة كما هي. كل واحدة منكن خانت الأمانة إلا هذه الفتاة."

التفت إلى ابنه آسر وقال:
– "هذه هي من تستحق أن تكون زوجتك، لأنها لم تغرك بحلي ولا بكذب، بل جاءت بصدقها كما عهدتها."

اقترب الأمير من ليان، ونظر في عينيها وقال:
– "لقد اخترتكِ، لا لأنك أجملهن، بل لأنك أصادقهن، ومن يملك الصدق يملك قلبي."

العبرة من القصة:

الأمانة امتحان يكشف حقيقة النفوس، والصدق طريق يرفع صاحبه فوق كل تزيين وخداع.

قد يغريك البريق الكاذب للحظة، لكن الحق وحده هو الذي يبقى.

تم نسخ الرابط