قطار العمر حماده هيكل

لمحة نيوز

أقترب منى رجل عجوز وانا جالس في أنتظار القطار بالمحطه في طريق عودتي لمنزلي ..قال لي
_ تسمح ولاعه بعد أذنك
_ اسف مش بدخن
_ ولا أنا بشربها أساسا
نظرت له مندهشا ..وقولت
_ طيب عايز ولاعه في أيه
_ مفيش انا كنت عاوز ادردش معاك شويه ..لو تسمح
زي ما انت شايف المحطه فاضيه وفاضل نص ساعه على مايوصل القطر..قولت اقعد معاك ندردش شويه لحد ما يوصل...دا لو مكانش يدايقك
_ لا ابدا.. اهلا بيك أتفضل
جلس بجانبي ووضع عكازه بجواره وبدأ يحكي 
_ تعرف أن أنا طلعت معاش من عشر سنين ..ومن يومها وانا في حالة ملل رهيبه..والأيام مبتعديش
_ ربنا يعطيك الصحه ياحج.. لكن ليه الملل فين أهلك وولادك
_ للأسف زوجتي ماتت من عشرين سنه.. وولادي ربنا يسامحهم بقى
_ ليه بس عملوا ايه؟
_ انا وقت ما امهم ماتت كنت اقدر أتجوز تاني، لكن رفضت
أدخل عليهم مرات أب..وقررت اكون ليهم الأب والأم
_ ربنا

يباركلك
_ بنتي الكبيره اتجوزت بعدها بكام سنه، وسافرت مع جوزها بره مصر،وبتنزل كل فين وفين.. تصور أن أحفادي منها
لو شوفتهم في الشارع معرفهمش..
_ ياااه للدرجه دي
_ حتى لما بينزلوا كل فين وفين بتيجي تقعد يوم بالعافيه
ومترضاش تبات.. قال ايه الولاد بيحبوا يناموا عند جدهم
_ طب ما انت جدهم كمان
_ اه جدهم ...بس مش بيباتوا عندي، رغم ان الشقه واسعه وكبيره وتساع من الحبايب ألف
_ طب وباقي ولادك
_ ابني بقى ..بيشتغل في شرم الشيخ وبينزل مره كل كام شهر.. بيسهر بره طول الليل وبيرجع الصبح على ما اصحى يكون هو نام وبالليل يخرج وميقعدش معايا
كل يوم على دا الحال لغاية ما تخلص أجازته
_لا حول ولا قوة الا بالله..طب في ولاد تاني عندك
_ لا مفيش..والحمدلله اصله كان هيبقى صعب عليا 
وقاسي زيهم ...انا كبرتهم وعلمتهم وشقيت عليهم
وبعد كل دا سابوني وبعدوا.. 
_ معلش ياحج
ماهي الدنيا تلاهي
_ الدنيا تلاهي على اي حد الا ابوك وامك ..صدقني لو ملكش خير في أبوك وامك عمره ما هيكون لك خير في حد
وربنا مش هيباركلك.. الأهل ما يتعوضوش.. وداين تدان
اللي بتعمله مع أهلك بكره هيتردلك مع ولادك.. دا سلف ودين

لم أجد كلمات اواسي بها الرجل والذي كاد أن يخنقه البكاء
ولكنه كان يتمالك نفسه ويجاهد كي لا تذرف دموعه
ظللت أستمع له وهو يحكي ويشكي من قسوة اولاده عليه
وبعدهم عنه الغير مبرر.. هو يعلم انه أصبح لكل واحد منهم حياته..ولم يصبحوا صغارا ..ولكن أين هو من حياتهم
هل ذهب عمره الذي أفناه عليهم ..هكذا هباء
في الواقع هو لم يكن بحاجة لكلمات تواسيه فذلك لن يغير شئ ..كان يريد الفضفضه ..يريد شخص غريب يجلس بجواره ويحكي له عن ما يؤلمه ..قد تأتي علينا أوقات نريد لأحد أن يسمعنا ...يسمعنا فقط ..لا نريد حلول ..ولا كلمات ولا  طبطبه.. فقط ان يسمع

ما يجول بأرواحنا .. تلك الكلمات
توجعه أذا حكاها..وتذبحه أذا لم يحكيها

جاء القطار ..وانصرف الرجل مودعا أياي.. سألته اين تذهب
لقد جاء القطار.. ابتسم لي وقال أنا جئت أتحدث مع أحدهم قليلا ..وسأعود لبيتي الان..شكرا لك .. علي تلك المحادثه
سأستطيع النوم الليله

تحرك القطار وكلمات الرجل مازالت ترن في أذني
وشعرت بشعور مخيف ..هو أنه قد اكون انا مكانه في يوم من الأيام... ثم قولت لنفسي ..لا من المستحيل أولادي يحبوني وانا لم اقصر معهم في شئ.. ولكن الرجل كذلك كان معهم.. علاوة على انه لم يأتي لهم بزوجة أب بعد وفاة امهم

بعد مرور أكثر من شهرين كنت قد نسيت الأمر برمته
وعند عودتي ذات ليله..وفي أنتظار القطار بالمحطه
لمحت رجلا جالسا في أنتظار القطار.. أقترب منه الرجل العجوز الذي قابلته يومها.. وقال له
_ تسمح ولاعه بعد أذنك
رد الرجل 
_ معلش مش بدخن
ابتسمت وانا

أعرف جملته التاليه
_ ولا أنا بشربها أساسا

تمت 

حماده_هيكل

تم نسخ الرابط