زمايلي في الشغل

لمحة نيوز


تسارع عجلات السيارة على الإسفلت. لم أكن أفكر سوى في بوبي.
. طفلتي الصغيرة التي انتظرَتني على عتبة الشقة، تمسك بدُبّها الممزق وتنتظر عودتي.
عندما دخلتُ من الباب الضيق، ركضت صغري ونطت في أحضاني.
مامي! طنط اللي في المطبخ ادتني تفاحة حمراء كبيرة أوي.. وقالت لي إن إنتِ بقيتي شغالّة في قصر!
انقبض صدري.. حاصرتُ وجهها الصغير بين كفيّ، وتأكدتُ من سلامتها قبل أن أضمها إلى صدري بقوة. رونان لم يكن يهددني من فراغ؛ لقد أرسل من يراقب بيتي، ويتحقق من وجود بوبي حتى يضمن ألا أهرب مجدداً.
في تلك الليلة، بعدما نامت طفلتي الصغيرة ونَفَسُها الملتظم يتردد في الظلمة، تسللتُ إلى أرضية الخزانة المتهالكة. رفعتُ اللوح الخشبي المتحرك بأصابع ترتجف، وأخرجتُ الصندوق الحديدي الصغير.
الصندوق الذي احتفظتُ به طوال ٤ سنوات كاملة.
فتحتُ القفل ببطء، وتأملت المحتويات المغلف الأسمر المختوم بختم الفَلَق، الرسالة الأخيرة، والقرص الصلب المشفر الذي أودعه جوليان كين الشقيق الأصغر ل رونان والوريث الشرعي الحقيقي لمؤسسة كين بين يدي قبل ساعات قليلة من انفجار سيارته المفتعلة قبل ٤ سنوات!
جوليان.. الرجل الذي لم يكن يعرف أحد في العالم أنه قضى أشهره الأخيرة يحاول إنقاذ والدته وحمايتها من أيدي مجلس العائلة الفاسد. الرجل الذي علمني تلك الشفرة السرية الخاصة بلغة الإشارة عندما كنتُ أعمل في القسم الطبي بالمستشفى الذي احتُجز فيه سرّاً، والحديث الذي انتهى بكلماته الأخيرة إذا لم أعد.
. أوجدي إيفلين. إنها الوحيدة التي تملك المفتاح، وشفرة الفَلَق هي وسيلتها الوحيدة لتصدقكِ.
طوال ٤ سنوات، غيرتُ اسمي، ومحوتُ أثري، ودُفنتُ في الفقر مع طفلتي كي أمنع رجال العائلة من الوصول إلى هذا السر. لكن اليوم، الأقدار زقتني إلى قلب الجحر مباشرة.
في الصباح التالي، في تمام الثامنة صباحاً، كنت أقف من جديد في جناح إيفلين كين.
المطبخ كان هادئاً هذه المرة، جومانا ووائل نظرا إليّ برعب مكتوم بعدما عرفا أن رئيس العائلة شخصياً عيّنني مرافقة خاصة للهانم الكبيرة براتب مضاعف ثلاث مرات. لم يستجرؤوا على النطق بكلمة.
دخلتُ الغرفة، وكانت إيفلين تجلس بجوار النافذة الكبيرة، عيناها الغائمتان تتطلعان إلى المطر المتساقط في الحديقة. أول ما سمعت خطواتي، التفتت بسرعة.
أغلقتُ الباب الخشبي الثقيل وراءنا، وبدأتُ بأصابعي حركات الإشارة السرية بحذر بالغ
السيدة كين.. هل يمكنكِ سماعي بشفرة الفَلَق؟
اتسعت عيناها الشاحبتان، ودمعة دافئة انحدرت على خدها التجعد. رفعت يديها المرتعشتين وردت بنفس الشفرة المغلقة التي علمني إياها ابنها الميت
من أنتِ؟ وكيف تحملين وشم الفرقة؟
اقتربتُ منها، وركعتُ تحت قدميها، وقربتُ يدي من يدها
أنا سيلينا.. الممرضة التي وقفت مع جوليان في أيامه الأخيرة. جوليان لم يمت في حادث عشوائي يا سيدتي.. جوليان قُتل، وهو من أرسلني إليكِ بالرسالة والمفتاح!
انقبضت أصابع إيفلين على يدي بقوة مذهلة بالنسبة لامرأة مسنة ومريضة. أخرجت صوتاً خافتاً من حنجرتها كآهة وجع حارقة، وبدأت إشاراتها تصبح أسرع وأكثر اضطراباً
جوليان.. ضنايا! أعداء العائلة في الداخل.. هم من وضعوا السم في طعامي ليعطلوا عقلي ويمنعوني من الكلام!
إنهم يريدون توقيع وثائق نقل الملكية لصالح عمهم ماركوس!
شهقتُ بصدمة
عمهم ماركوس؟! وليس رونان؟!
ردت إيفلين بنفي حاد بأصابعها
رونان لا يعلم شيئاً! رونان يعتقد أن أخي ماركوس يحمي العائلة، وماركوس هو من يقنع رونان بأنني أُصبت بالخرف للسيطرة على القصر والشركات! إياكِ أن تثقي ب ماركوس!
وفجأة.. قُطع الحديث!
سمعنا صوت خطوات ثقيلة ومُنتظمة تتقدم في الممر الخارجي. مسحت إيفلين دموعها بسرعة وأعادت وجهها إلى الخلاء والجمود المعتاد، بينما وقفتُ أنا وأ مسكتُ بفوطة قطنية وبدأتُ أتمشي كأني أنظف الطاولة.
انفتح الباب.
لم يكن رونان هذه المرة.. بل كان رجل في أواخر الخمسينيات، ذو شعر رمادي ونظرات حادة خبيثة، يرتدي بدلة فاخرة ووراءه اثنان من الحراس الضخام.
ماركوس كين!
وقف ماركوس عند عتبة الباب، وبصّ نحو إيفلين باحتقار مكتوم، ثم حول عينيه إليّ
من أعلى إلى أسفل
إذن.. إنتِ هي الممرضة الجديدة التي أحدثت ضجة في المطبخ بالأمس وأعجب بها رونان؟
انحنيتُ برأسي في خضوع زائف نعم يا سيدي.. أنا الممرضة التي عينها السيد رونان لمتابعة الهانم.
اقترب ماركوس خطوتين، وصوته صار واطئاً ومحشواً بالتهديد المباشر
استمعي إليّ جيداً يا فتاة.. العجوز التي أمامكِ هذه مجرد جثة تتنفس. لا تدخلي نفسكِ في أمور أكبر من حجمكِ الشديد، ولا تحاولي التذاكي. خذي راتبكِ واصمتي.. وإلا سأنتهي منكِ ومن طفلتكِ الصغار في رمشة عين!
الدم جمد في عروقي، لكنني أبقيتُ رأسي منخفضاً حاضر يا سيدي.
خرج ماركوس وضحكته الخبيثة ترن في الممر. التفتُّ إلى إيفلين، وجدتها تنظر إليّ بعيون مليئة بالخوف والرجاء.. كانت اللحظة قد حانت؛ إما أن أكشف السر ل رونان الليلة، أو سيتم تصفيتنا جميعاً.
في تمام الساعة الرابعة عصراً، بينما كان القصر يغرق في هدوء مريب قبل الغروب، توقفتُ أمام باب مكتب رونان كين.
دُققتُ الباب مرتين.
ادخلي. جاء صوته البارد والقاطع.
فتحتُ الباب. كان رونان يخلع جكتته، وينظر في أوراق ماليّة على مكتبه الأبنوسي. عندما رآني، رفع حاجبه باستهزاء خفيف
لم تحن الساعة الخامسة بعد يا سيلينا.. ما الذي يُبقيكِ هنا؟
أغلقتُ الباب بالمفتاح من الداخل.
توقف رونان عن الحركة فوراً. يده امتدت تلقائياً نحو الدرج حيث يضع سلاحه الشخصي، ونظراته أصبحت حادة كالموس
ما الذي تظنين أنكِ تفعلينه؟
أخذتُ نفساً عميقاً، وقلتُ بصوت ثابت لأول مرة منذ
دخولي هذا القصر
أنا لا أدعى سيلينا الممرضة يا سيد رونان..
 

تم نسخ الرابط