امي جاتلي في عز الحر حكايات مني السيد حصري
المحتويات
عيالنا.
زقيت الباب برجلي ودخلت الصالة.. الصوت هدي فجأة، وكأن حد قطع الكهربا عن المكان!
حمايا كان قاعد على الكنبة الكبيرة في الصدر، وجنبه عمام جوزي الاتنين، وإخوات جوزي الرجالة قاعدين على الكراسي، وعلى جنب كانت قاعدة حماتي، متلفحة بشالها وحاطة وش المسكنة والغلابة، وسلايفي قاعدين حواليها.. وهبة سلفتي كانت قاعدة في أبعد ركن، عنيها في الأرض ومبترفعهاش خالص.
أول ما رجلي خطت الصالة، حماتي شهقت شهقة مسرحية ولطمت على صدرها أهي جات اهيه! شفتوا الفاجرة اللي مبتحترمش شيبة ولا سن؟ جاية بوشها البارد تدخل بيتي بعد ما بهدلتني وشتمتني وطردتني من شقتها؟!
الرجالة كلهم اتلفتوا وبصوا لي، وعم جوزي الكبير اتنحنح وقال بصوت ناشف في إيه يا جماعة؟ عيب الكلام ده، إحنا لسه مصلين الجمعة.. استهدي بالله يا حاجة، وإنتي يا بنتي تعالي اقعدي وافهمينا إيه اللي حصل ده، ده إحنا من الصبح بنسمع كلام ميرضيش ربنا ولا يرضي الأصول!
بصيت لحمايا ولعمام جوزي بكل هدوء، ومبصتش لحماتي خالص عشان مستفزش نفسي.. وقفت في نص الصالة، ولسه بفتح بقي عشان أقول السلام عليكم، اسمعوا مني الكلمتين دول وافرزوا الحق من الباطل...
لقيت باب الشقة الخارجي بيتفتح فجأة بعنف، ودخلت واحدة خلت الصالة كلها تتلجم.. دي كانت أمي!
أمي جاية وشايلة في إيدها شنطة قماش كبيرة، ووراها أبويا ساند على عكازه وماشي ببطء.. أمي بصت في نص الصالة، وشافتني واقفة، وراحت باصة لحماتي وقالت بصوت رج العمارة كلها السلام عليكم يا أهل الأصول.. جايين نرد الأمانة ولا جايين تاكلوا حق بنتي بالكدب والبهتان قدام الرجالة دول كلهم؟!
الصالة اتقلبت في ثانية، وحمايا
وقف على حيله مذهول الحاجة أم سارة؟! في إيه يا جماعة؟ هو الموضوع وصل لكده؟!
أمي حطت الشنطة في نص الصالة على السجادة، وبصت لحماتي اللي وشها جاب ميت لون وبقت تفرك في إيدها بتوتر، وقالت بصوت مسموع للكل واصل وأكتر من كده يا حاج.. بنتي مش مقطوعة من شجرة عشان يتقال عليها في الحارة إنها قليلة الأدب وحرامية وعايزة تمد إيدها على حماتها عشان كيسين سكر وشوية مكرونة! أنا جاية وجايبة معايا الراجل اللي مشتريلكم السكر ده بإيده وبفاتورته، وجاية أقولكم مين الحرامي ومين اللي بياكل عرق الناس!
في اللحظة دي، جوز سلفتي وقف بغضب وزعق إيه الكلام ده يا حاجة؟! إنتي بتلمحي على مين؟ أمي ست شريفة ومتاكلش حرام!
وهنا.. سلفتي هبة وقفت فجأة من مكانها، وعينيها بتطق شرار وخوف في نفس الوقت، وصرخت بصوت عالي قطع كلام جوزها بس بقى حرام عليكم! كفاية ظلم لحد كده.. السكر أهو في مطبخي يا رجالة، وحماتي هي اللي جابتهولي بإيدها وقالت لي سلفتك مش عايزاه!
الصمت نزل على الصالة زي الصاعقة.. حماتي اتسمرت مكانها وعينيها جحظت، وكل رجالة العيلة لفت وشها وبصت لحماتي اللي لسانها اتشل ومبقتش عارفة تنطق بحرف واحد!
يتبع
الجزء الثالث والأخير
الكلمة طلعت من لسان هبة سلفتي، كأنها قنبلة ودخلت فرقعت في الصالة الكبيرة. مكنش صوتها عادي، كان صوت واحدة كانت مخنوقة وبتغرق تحت المية بقالها شهور وفجأة خدت نَفَسها غصب عن الكل. الصالة كلها اتخرست، حتى تكتكة الساعة القديمة المعلقة فوق النيش على الحيطة بقت مسموعة وبتدق في نفوخ كل واحد فينا تكة ورا تكة زي المرزبة.
جوزها، اللي هو أخو جوزي الكبير واسمه رجب، كان واقف مشبرق إيديه وعروق وشه طالعة، بص لمراته بصة كأن شيطان طالع له من الأرض، وشه اتحول من اللون الأحمر للون المخطوف، وتنح فيها وهو مش مستوعب إن دي هبة اللي بتمشي جنب الحيط وتقول للحيطة استري عليا إنتي بتقولي إيه يا ولية إنتي؟! اتجننتي في عقلك ولا إيه اللي صابك؟ مين اللي إداكي، ومين اللي جابلك؟!
هبة مهتزتش، دموعها نزلت على خدها بس رجليها كانت مغروزة في الأرض كأنها وتد، شالها كان واقع على كتفها وقالت وصوتها بيعلى ويوصل للكل بقول الحق اللي هيتحاسب عليه قدام ربنا يوم لا ينفع مال ولا بنون! السكر الأبيض التضيف اللي في دلابي مش من تمويني، وحماتي دخلت عليا بيه وقالت لي بالحرف الواحد خدي ده فكّي بيه زنقة عيالك وسلفتك أمها مغرقاها خير ومكرونة وسمنة ومش محتاجة حاجة.. وأنا خدته عشان مصدقاها، وطلعت لسارة كيسين مكرونة من درجي وقلت لها التلاتة الباقيين أول الشهر! ولما لقيت حماتي نزلت الشارع إمبارح تفضحها وتتبلى عليها وتقول عايزة تمد إيدها عليا، ضميري صحي.. أنا عيالي مش هياكلوا حرام، ولا هقبل إن لحم كتافهم يكبر على قهر ولية تانية وعلى شقى راجل غريب شقيان في شمسه!
حماتي عينيها وسعت بطريقة ترعب، وشها جاب لون ميت مقطوع عنه النور، قامت مفزوعة من على الكنبة ولطمت على صدرها لطمة رنت في سقف الأوضة، وصرخت بصوت مسرسع اخص عليكي يا ناكرة الجميل! اخص عليكي يا واطية يا بت الخدامة! ده جزاتي إني بستر عليكي وبشيل عن بيتك لما جوزك بيقصر معاكي؟! ده جزاتي إني بديكي من خير البيت عشان متمديش إيدك للغريب؟! جاية ترمي بلاكي عليا وتشهّدي عليا الرجالة وتطلعي عجوزتي كدابة عشان خاطر المحروقة دي؟!
هنا أبويا، راجل على قد حاله بس كلمته في بلده توزن بلد، اتكأ على عكازه ودق بيه على البلاط دقة واحدة خلت حماتي تبلع باقي كلامها وترجع لورا خطوة. أبويا تنحنح، وبص لحمايا اللي كان قاعد في صدر القعدة وشه نازل في الأرض من الخزي والعار يا حاج إبراهيم.. إحنا دخلنا بيتك وناسبناكوا على سنة الله ورسوله، وقلنا ناس صاينة الأصول، وبنتي دخلت شقتكم بأدبها وتربيتها، لا عمرها مدت إيدها لحاجة مش بتاعتها ولا عمرها نقلت كلمة برة عتبة بابها. أنا راجل على المعاش، بنزل من ستة الصبح أقف في طابور الجمعية، وألف على رجلي عشان أجيب قرشين بالحلال أساعد بيهم بنتي في الغلا اللي إحنا فيه، لما أشيل أكياس سكر وبرطمان سمنة بلدي جايبه من بلدنا من شقى أبويا وأمي وأديه لبنتي عشان تسد جوع عيالها، تقوم الحاجة تاخده من بيتها بالحيلة، وتفرقه على مزاجها، ولما بنتي تسأل عن حقها تطلع في الحارة تسود سمعتها وتقول دي بنت مش متربية وعايزة تضربني بالشبشب؟! هو ده الأصل اللي اتعلمتوه في بيوتكم؟!
حمايا الحاج إبراهيم كان وشه في الأرض، راجل طول عمره في حاله ومبيحبش وجع الدماغ، ومسلّم الحبل كله لمراته تسرح بيه زي ما هي عايزة في البيت، بس المرة دي كانت الفضيحة قدام إخواته الاتنين، عمام جوزي، والحارة كلها كانت على وشك تسمع لو الصوت علي أكتر من كده. رفع حمايا راسه، وبص لحماتي بنظرة عمري ما شفتها في عينيه طول سنين جوازي اطلعي هاتي السكر يا هبة. قالها بصوت واطي ومكتوم، صوت عامل زي الرعد اللي بيتحضر في بطن السما.
رجب جوز هبة اتنتر يا با متسمعش كلام الستات.. قاطعه حمايا بصوت جهوري رج البيت كله اخرس واقطع لسانك! الكلمة دي تتقال لراجل بيحكم بيته مش لواحد مراته بتلف وتدور
متابعة القراءة