امي جاتلي في عز الحر حكايات مني السيد حصري
المحتويات
دلوقتي تمثلي عليا دور البريئة الشريفة؟!
سلفتي مسكت إيدي وحلفت بميت يمين اسمعيني بس يا أختي الله يخليكي وافهمي.. حماتي طلعت لي بالشهر اللي فات بالسكر الأبيض وقالت لي خدي السكر ده يا هبة وفري تموينك وبدلي بيه مكرونة، وسلفتك فوق مش محتاجة حاجة أمها مغرقاها خير ومكرونة وسمنة بلدي، وهي اللي قايلة لي اديهم لهبة عشان عيالها كتير.. والله العظيم ده اللي قالته لي بالحرف! ولما نزلتي لي طلبتي المكرونة، اتكسفت أقولك إني استعملت حاجتك، ادتلك الكيسين اللي كانوا في درجي وقلت لما أنزل التموين هعوضك.. ما كنتش أعرف إنها مساومة عليكي، ولا كنت أعرف إنها ناكرة أصلاً إنها خدت منك حاجة لحد ما لقيتها بتصوت تحت وبتقول إنك عايزة تمدي إيدك عليها وبتتبلي عليها في شيبتها!
وقفت أسمعها ومخي عمال يودي ويجيب. الكلام داخل عقلي، بس قلبي مش طايق حد من ريحة البيت ده خلاص.. الوجع كان أكبر من كيسين سكر وشوية مكرونة، الوجع كان في كرامتي اللي اتبعترت على لسان الست الكبيرة في الحارة كلها، وفي نظرات أبو جوزي اللي شفته العصر بيبص لبلكونتي بقرف كأني واحدة ماليش رباية.
قلت لها وصوتي بيهتز من الغيظ الكلام ده حلو ولطيف يا هبة، وتؤجري عليه إنك جاية تبرأي ذمتك.. بس التلات أكياس مكرونة دول ولا حتى قنطار سكر هيردوا لي اعتباري قدام الناس؟ هيردوا كرامتي قدام الشارع اللي سمع حماتك وهي بتقول إني قليلة الأدب وعايزة أضربها؟ هيردوا وش جوزي اللي مكسور ومش قادر يبص في وش إخواته؟
سلفتي وطت راسها في الأرض وقالت أنا مش جايبة دول عشان أقولك خلاص الموضوع خلص.. أنا جايبة دول عشان ربنا ما يحاسبنيش على حق عيالك، وعشان أقولك.. بكرة في قعدة العيلة بعد الصلاة، أنا مش هسكت، حتى لو حماتي قلبت عليا وطردتني من الشقة.
بصيت لها بتركيز.. هبة طول عمرها مسكينة، وجوزها أخو جوزي الكبير مابيرحمش، عبد لأمه بمعنى الكلمة، لو أمه قالت له طلق هبة هيطلقها وهو مغمض. سألتها بشك إنتي هتقدري تقولي قدام عمك حمايا وقدام جوزك إن أمهم كدابة؟ هتقدري تقفي في وشها وتقولي لها إنتي يا حماتي اللي اديتيني السكر وقلتي لي ده من سلفتك؟ هتقدري يا هبة؟ ولا أول ما حماتك تخبط على صدرها وتصوت هترجعي ورا وتقولي أنا مليش دعوة يا رجالة دول بيتبلوا عليا؟
سلفتي عينيها زاغت، وسكتت شوية، وبعدين رفعت عينها في عيني وقالت كلام نزل على قلبي زي الرصاص أنا مقدرش أقول إنها كدابة في وشها.. جوزي هيكسر عضمي وهيقولي إنتي بتوقعي بيني وبين أمي.. بس أنا هعمل حاجة تانية.. بكرة لما تنزلي وتتكلمي، متجيبيش سيرتي خالص في الأول، خليكي ماسكة في إنك بتسألي على حقك بأدب، وخلي جوزك هو اللي يطلب يشوف تمويني.. لو فتحوا دواليب مطبخي هيلاقوا أكياس السكر بتاعتك لسه مقفولة هناك، أهو ساعتها مش أنا اللي هشهد.. حاجتك هي اللي هتشهد عليها! حصري على صفحة روايات و اقتباسات طلعت سلفتي تتسحب زي ما دخلت، وقفلت الباب وراها ووقفت مكاني متسمرة. بصيت على الكيس الأسود اللي محطوط على الطقطوقة، جواه كيسين سكر وتلاتة مكرونة.. كان نفسي أمسكهم وأرميهم من البلكونة في الشارع! هو أنا شحاتة؟! هو أنا عيالي ميتين من الجوع عشان أقف على كيسين سكر؟ الحكاية مش حكاية
أكل وشرب يا دنيا، الحكاية حكاية النفوس اللي مليانة سواد وحقد، الناس اللي تبص للقمة في إيد الغلبان وتستكترها عليه، والناس اللي تدوس على كرامة خلق الله عشان تبان هي الكبيرة وهي صاحبة الفضل!
دخلت أوضة النوم بالراحة، كان جوزي نايم على السرير، وشه كان شاحب والهم راكب ملامحه حتى وهو مغمض. راجل شقيان من الفجر للمغرب في ورشته عشان يرجع بجنيه حلال يكفي بيه عياله وميخليناش نمد إيدنا لحد. اتقهرت عشانه، الست دي أمه، لحمه ودمه، وفي نفس الوقت أنا مراته وعرضه اللي بيتهان على لسان أمه في الرايحة والجاية.
قعدت على طرف السرير، وحطيت إيدي على دماغي، النوم طار من عيني تماماً. الساعة كانت ماشية بطيئة أوي، عقرب الدقايق كأنه بيجر في جبل وراه. الفجر أذن، قمت اتوضيت وصليت، وفضلت ساجدة على السجادة ودموعي نازلة زي المطر.. دعيت ربنا يظهر الحق، دعيت إنه ما يكسرنيش قدامهم، ولا يخليني سبب في خراب بيت جوزي مع أهله، بس في نفس الوقت مكنتش قادرة أسامح.. ولا هسامح في شقى أبويا وأمي اللي حماتي استكترته عليا وراحت تديه لسلفتي عشان تكسر نفسي وتفهمني إن خير أهلي مباح للكل إلا لعيالي!
الصبح طلع، والشمس دخلت من الشباك، وصوت الحركة ابتدى يدب في العمارة. أول ما الساعة دقت حداشر، سمعت دبة رجلين على السلم.. عمام جوزي وصلوا، وإخواته الشباب جم، وصوت حمايا الكبير كان جهوري وطالع من الصالة اللي تحت وهو بيسلم عليهم. جوزي صحي، بص لي ولقاني قاعدة بلبسي وصاحية من بدري، وشه اتخطف إنتي منمتيش يا سارة؟ بصيت له بثبات وهدوء غريب معرفش جبته منين النوم مش هيدوق عيني إلا لما الحق يبان يا ابن الناس. اتنهد تنهيدة شقت صدره، وقام قعد جنبي ومسك إيدي عشان خاطري أنا.. بلاش تصغرينا قدام عمامي وإخواتي، أمي ست كبيرة ومخها على قدها، وكلهم عارفين طبعها حتى لو مسكتوش.. أنا مستعد أنزل دلوقتي السوبر ماركت وأجيب لك كرتونة مكرونة وشوال سكر، بس بلاش قعدة العيلة دي، القعدات دي مبتجبش غير الفضايح والطلاق يا سارة!
شلت إيدي من إيده بالراحة ووقفت قدامه لو جبت لي دهب الدنيا كله مش هيعوضني عن كلمة واحدة حماتك قالتها عليا في الشارع! إنت سامع هي بتقول إيه برة؟ بتقول مرات ابني رفعت إيدها عليا وكانت هتضربني بالشبشب! ده كلام يتقال على مرتك وأم عيالك؟! ده كلام ترضاه ليا يا ابن الناس؟! أنا مش نازلة أتخانق، ولا نازلة أقل أدبي على أمك، أنا نازلة أقول كلمتين اتنين بس قدام أبوك وعمامك، ووالله لو حد فيهم طلعني غلطانة أو كدابة، أنا اللي هشيل شنطة هدومي وأمشي من بيتك ومش هتشوف وشي تاني!
جوزي وشه احمر وعروق رقبته نفرت، بس سكت.. كان عارف إني مظلومة وعارف إن السكوت المرة دي معناه إنه يدفن كرامته وكرامتي تحت رجلين أمه للأبد.
الساعة دقت واحدة ونص، بعد ما صلاة الجمعة خلصت، وصوت الدوشة تحت كان مالي العمارة.. العيلة كلها متجمعة في شقة حمايا الكبيرة، والضحك وصوت الفناجين والرجالة بيتكلموا في أحوال السوق والعيال الصغيرة بتجري في المدخل.
قمت وقفت قدام المراية، لبست عبايتي السودة وطرحتي، وظبطت نفسي.. مكنتش رايحة وأنا ضعيفة ولا عيني مكسورة، كنت رايحة بحقي وشقى أهلي اللي حماتي أرادت تاكله وتذلني بيه.
فتحت باب الشقة ونزلت السلالم.. وكل خطوة كانت بتنزل زي المرزبة على قلبي. جوزي نزل ورايا بسرعة، وحط إيده على كتفي قبل ما أدخل باب الشقة، وهمس في ودني بصوت مقهور ربنا يسترها.. خليكي هادية عشان
متابعة القراءة