راتب ابني حكايات حماده

لمحة نيوز

هل هناك شخص يهدده؟

هل تعرض للأذى؟

هل الأموال التي رأيتها في غرفته كانت أصلًا ملكه؟

وعندما وصلت إلى المطعم، كانت يداي ترتجفان.

أوقفت السيارة، قفزت منها، وركضت إلى الداخل.

كان المطبخ هادئًا تمامًا.

وكان عدد من الموظفين يقفون حول منطقة غسل الأطباق.

ثم رأيت إيفان.

كان واقفًا في منتصف المطبخ.

وحقيبته ملقاة مفتوحة على الأرض بجانبه.

كانت محتوياتها متناثرة في كل مكان.

أوراق.

إيصالات.

عدة عبوات صغيرة.

ثم رأيت شيئًا آخر جعلني أتوقف في مكاني.

اختفى كل لون من وجهي.

نظرت إلى ابني.

وفجأة بدأت الأشهر الستة الماضية كلها تأخذ معنى مختلفًا.

المال الذي كان يخفيه.

ملابسه المليئة بالطين.

الكم الممزق.

وعوده المستمرة بأنه «قرب يشتري الدراجة».

والأهم من كل ذلك…

السبب الحقيقي وراء عدم امتلاكه ما يكفي من المال لشراء تلك الدراجة حتى الآن.

نظرت إلى الأشياء المبعثرة على الأرض، ولم أستطع أن أفهم ما أراه.

كانت هناك إيصالات من الصيدلية.

عبوات أدوية.

حفاضات أطفال.

علب حليب.

ومظاريف صغيرة، كُتب على بعضها أسماء أشخاص.

رفعت عيني إلى إيفان.

«إيه ده؟»

لم يجب.

كان واقفًا ووجهه شاحب، وعيناه ممتلئتان بالدموع.

التفتُّ إلى سال.

«ممكن حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟»

تنهد سال، ثم أشار إلى كرسي.

«اقعدي الأول.»

جلست، لكن عيني لم تفارقا ابني.

قال سال:

«إيفان بقاله ست شهور بيشتغل هنا، وكل أسبوع تقريبًا كان بياخد فلوسه… لكن عمره ما كان بيحتفظ بيها لنفسه.»

نظرت إلى إيفان.

«يعني إيه؟»

قال سال:

«كان بيشتري بيها حاجات لناس تانية.»

تجمدت في مكاني.

«مين؟»

أخرج سال مجموعة من الإيصالات ووضعها أمامي.

«في البداية افتكرت إنه بيصرف فلوسه على أصحاب أو ألعاب. لكن بعد فترة بدأت ألاحظ إنه بيشتري حاجات من الصيدلية والسوبر ماركت، وبعدها يخرج ويوزعها.»

قلت:

«يوزعها على مين؟»

نظر سال إلى إيفان.

«قول لها أنت.»

ظل ابني صامتًا.

اقتربت منه.

«إيفان… أنا مش هزعق لك. بس عايزة أعرف الحقيقة.»

خفض رأسه.

ثم قال بصوت خافت:

«فاكرة الست اللي ساكنة في آخر الشارع؟»

هززت رأسي.

«الست أميرة؟»

«أيوه.»

«مالها؟»

مسح دموعه بطرف يده.

«جوزها مات من السنة اللي فاتت.»

بدأت أفهم شيئًا، لكنني لم أقل شيئًا.

تابع:

«وكان عندها بنت صغيرة… وكانت مريضة.»

نظر إليّ.

«أنا شوفتهم مرة قدام الصيدلية.»

ثم ابتلع ريقه.

«البنت كانت بتعيط عشان أمها قالت لها إنهم مش معاهم فلوس يجيبوا الدوا.»

وضعت يدي على فمي.

قال:

«في اليوم ده، كنت معايا أول مرتب أخدته.»

سكت لحظة.

«فدخلت الصيدلية واشتريت الدوا.»

قلت له:

«ليه ما قلتليش؟»

هز رأسه.

«عشان كنت عارف إنك هتساعديهم.»

«وطبعًا كنت هساعدهم.»

«أنا عارف.»

ثم أضاف:

«بس أنا كنت عايز أعمل حاجة بنفسي.»

كانت عيناه تلمعان بالدموع.

«أنا عايز أكون زي بابا.»

توقفت أنفاسي للحظة.

والده.

منذ وفاته، نادرًا ما كان إيفان يتحدث عنه.

قال:

«بابا كان دايمًا بيساعد الناس من غير ما يقول لحد.»

ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه.

«قبل ما يموت، كان كاتبلي حاجة.»

ناولني الورقة.

فتحتها بيد مرتجفة.

كانت جملة قصيرة بخط والده:

"يا إيفان، الراجل مش بكبر سنه… الراجل بيكبر بالخير اللي بيعمله للناس."

لم أستطع منع دموعي.

لكن بقي سؤال واحد.

«طيب ليه كذبت عليّ وقلت إنك بتجمع فلوس للعجلة؟»

نظر إلى الأرض.

«لأني كنت عارف إنك هتوقفي الشغل.»

«وليه كنت بتتأخر وهدومك متقطعة؟»

تدخل سال هذه المرة.

«دي حصلت الأسبوع اللي فات.»

ثم شرح لي أن إيفان كان يذهب أحيانًا إلى منطقة بعيدة قليلًا عن المطعم، حيث تعيش أسرة أخرى في ظروف صعبة.

وفي ذلك اليوم، كان يحمل أكياسًا من الطعام والدواء.

وأثناء عبوره طريقًا طينيًا بالقرب من مجرى المياه، انزلق وسقط.

لكن ذلك لم يكن كل شيء.

التفت سال إليّ وقال:

«أنا اكتشفت الموضوع من فترة، وحاولت أقنعه إنه مش لازم يتحمل كل ده لوحده.»

ثم أضاف:

«لكن النهارده حصلت المشكلة.»

نظرت إليه.

«إيه المشكلة؟»

قال:

«إيفان كان عايز يشتري دواء غالي لطفل صغير. وكان ناقصه مبلغ.»

نظرت إلى ابني.

«فحاول يعمل إيه؟»

صمت.

ثم قال إيفان:

«كنت هشتغل وقت إضافي من غير ما آخد فلوس.»

شهقت.

«إيه؟»

قال سال:

«رفض ياخد أجره، وقال إنه هيفضل يغسل الأطباق لحد ما يكمل ثمن الدواء.»

ثم ابتسم بحزن.

«ولما منعته، بدأ يتخانق معايا.»

نظرت إلى ابني.

«عشان كده قلت في التليفون: حاول يعملها تاني؟»

هز سال رأسه.

«بالضبط.»

ثم أضاف:

«هو مش ولد سيئ يا مدام.»

نظر إلى الحقيبة.

«المشكلة إنه بيحاول يحمل نفسه مسؤولية أكبر من سنه.»

اقتربت من إيفان.

لم أوبخه.

لم أصرخ.

 

وبمجرد أن وضع رأسه على كتفي، انفجر في البكاء.

«أنا آسف يا ماما.»

ضممته أكثر.

«أنا اللي آسفة.»

رفع وجهه.

«على إيه؟»

قلت:

«عشان خليتك تحس إنك لازم تشيل هم الدنيا لوحدك.»

قال:

«بس أنا كنت عايز أساعد.»

ابتسمت رغم دموعي.

«وهتساعد. بس مش لوحدك.»

في اليوم التالي، ذهبت معه إلى كل الأشخاص الذين كان يساعدهم.

لكن هذه المرة، لم يأخذ المال من راتبه.

أنا وسال وبعض العاملين في المطعم قررنا أن نساعده.

وبدأ أهل المنطقة يعرفون ما كان إيفان يفعله في الخفاء.

لم يكن يريد شهرة.

ولم يكن يريد مدحًا.

كان يريد فقط أن يساعد.

وبعد أسابيع، حدث شيء لم يكن يتوقعه.

ذات مساء، عاد إيفان من المدرسة فوجد أمام المنزل صندوقًا كبيرًا.

فتح الباب.

ثم تجمد.

كانت الدراجة التي ظل يحلم بها طوال ستة أشهر.

نفس الدراجة.

الهيكل الأسود المطفي.

والكتابة البرتقالية.

والتروس التي كان يعرف عددها عن ظهر قلب.

وقف ينظر إليها دون أن يتكلم.

ثم التفت إليّ.

«ماما… دي بجد؟»

ضحكت وقلت:

«أيوه.»

«بس أنا ما كانش معايا فلوس كفاية.»

قلت:

«عارفة.»

ثم ناولته خوذته.

«المرة دي، الدراجة هدية.»

نظر إليّ ثم بدأ يبكي.

قلت:

«لكن عندي شرط.»

مسح دموعه.

«إيه؟»

ابتسمت.

«من النهارده، لو عايز تساعد حد… هتقول لي.»

هز رأسه.

«وعد.»

ثم ركض إلى الدراجة.

لكن قبل أن يخرج، عاد .

وقال:

«ماما؟»

«نعم؟»

«بابا كان هيكون فخور بيا؟»

ضممته بشدة.

وقلت:

«بابا كان هيفتخر بيك جدًا.»

وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا لم أكن قد أدركته طوال الأشهر الماضية.

كنت أظن أن ابني كان يدخر المال من أجل دراجة.

لكن الحقيقة أنه كان يدخر شيئًا أكبر بكثير…

كان يبني الرجل الذي أراد أن يصبحه.

وكان عمره ثلاثة عشر عامًا فقط.

تم نسخ الرابط