راتب ابني حكايات حماده

لمحة نيوز

كان ابني إيفان، البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، قد حصل على عمل في عطلة نهاية الأسبوع لغسل الأطباق، لأنه كان يريد أن يدخر ثمن دراجة جديدة.

مرت ستة أشهر…

لكن الدراجة لم تأتِ أبدًا.

وفي أحد الأيام، اتصل بي مدير المطعم وسألني:

«هل تعرفين ماذا يفعل إيفان بكل راتبه؟»

أجبته بأن ابني يدخر المال لشراء دراجة.

ساد الصمت للحظات.

ثم قال:

«سيدتي، ربما من الأفضل أن تجلسي. كل ما أخبرك به ابنك عن هذا المال… كذب.»

منذ أشهر، كان إيفان مهووسًا بالدراجة نفسها.

كلما مررنا أمام متجر الأدوات الرياضية، كانت عيناه تتجهان فورًا إلى واجهة العرض.

هيكل أسود مطفأ.

وكتابة برتقالية.

كان يعرف كل تفاصيلها.

عدد التروس.

وزنها.

موديلها.

حتى سعرها بالضبط.

لكن إيفان لم يطلب مني ولو مرة واحدة أن أشتريها له.

وهذا كان جزءًا من شخصيته الجديدة.

كان والده قد توفي بشكل مفاجئ قبل ثلاث سنوات، ومنذ ذلك الوقت تغير شيء ما في إيفان.

كبر قبل أوانه بكثير.

كان يراني وأنا أقلق بشأن الفواتير.

لاحظ عندما بدأت أستغني عن بعض المصروفات غير الضرورية.

وفي مرحلة ما، قرر أن طلب أي شيء غالي الثمن مني لن يؤدي إلا إلى زيادة أعبائي.

لذلك، عندما أخبرني أنه وجد عملًا يوم السبت لغسل الأطباق في مطعم قريب من منزلنا، لم أتفاجأ.

قال لي بفخر:

«أنا اللي هشتري الدراجة بنفسي.»

ابتسمت وقلت:

«أنت عارف إنك مش مضطر تعمل كده.»

قال:

«عارف… بس أنا عايز.»

ابتسمت.

«حسنًا، لكن الدراسة أولًا.»

«اتفقنا.»

كل صباح سبت، كان إيفان يخرج من المنزل مرتديًا بنطالًا جينز قديمًا وحذاءً باليًا.

وكل مساء سبت، كان يعود إلى المنزل ورائحته مزيج من سائل غسل الأطباق وزيت القلي والبطاطس المقلية.

كان الماء الساخن يجعل يديه جافتين وحمراوين.

وكلما سألته عن مدى اقترابه من شراء الدراجة، كان يجيبني بالجملة نفسها:

«قربت أوي.»

في البداية، صدقته.

مرّت ثلاثة أشهر.

ثم أربعة.

ثم خمسة.

ثم ستة.

ولم تكن هناك دراجة.

عندها بدأت أحسب الأمر.

بحسب ما كان إيفان يحصل عليه كل أسبوع، كان من المفترض أن يكون قادرًا على شراء الدراجة منذ فترة طويلة.

إذًا، أين كان يذهب المال؟

حاولت ألا أبالغ في التفكير.

ربما قرر شراء دراجة أخرى.

ربما هناك فتاة في حياته.

ربما كان يدخر لشيء آخر.

ربما كان يخطط لمفاجأتي.

ثم في إحدى الليالي، مررت بجوار غرفته ولاحظت أن النور ما زال مضاءً.

كان باب غرفته مفتوحًا قليلًا.

نظرت إلى الداخل.

كان إيفان جالسًا على الأرض يعد كومة سميكة من النقود.

كان هناك مال أكثر بكثير مما توقعت.

وبمجرد أن لاحظ وجودي، تغير وجهه.

جمع النقود بسرعة، ووضعها داخل حقيبته، ثم أغلقها.

سألته:

«إنت بتعمل إيه؟»

قال:

«ولا حاجة.»

نظرت إلى الحقيبة.

«دي فلوس الدراجة؟»

أومأ برأسه بسرعة.

«أيوه.»

قلت:

«بس شكلهم كتير أوي.»

أجاب:

«سال بيديني الفلوس فكة… عشان كده شكلها كتير.»

ثم ابتسم لي ابتسامة متوترة.

«أنا قربت أجيبها.»

كان هناك شيء في إجابته لم يطمئنني.

لكنني لم أضغط عليه.

كان عمره ثلاثة عشر عامًا.

وكنت أريد أن أحترم خصوصيته.

لذلك أقنعت نفسي بأن هناك تفسيرًا بريئًا لكل شيء.

لكن بعد أسابيع قليلة، أصبح تصديق ذلك أصعب بكثير.

كان إيفان عادةً يعود من المطعم حوالي السادسة مساءً.

في ذلك السبت، مرت السادسة.

ثم السابعة.

ثم السابعة والنصف.

كلما اتصلت به، كان هاتفه يحولني مباشرة إلى البريد الصوتي.

وبحلول الوقت الذي سمعت فيه الباب الخلفي يُفتح، كانت الساعة تقترب من الثامنة.

أسرعت إلى الممر.

ثم توقفت فجأة.

كان حذاؤه مغطى بالطين.

ملابسه متسخة بالكامل.

أحد أكمامه كان ممزقًا.

وكان هناك خدش جديد على جانب وجهه.

صرخت:

«إيفان! إيه اللي حصل؟»

لم ينظر إلى عيني.

«وقعت.»

«وقعت فين؟»

«جنب الترعة.»

حاول أن يصعد إلى غرفته.

لكنني وقفت أمامه.

«هدومك مقطوعة!»

قال:

«زحلقت ونزلت من على المنحدر. أنا كويس.»

قصته لم تبدُ منطقية.

ثم سألته السؤال الذي جعله يتجمد في مكانه:

«فلوسك اللي كسبتها النهارده فين؟»

ظل إيفان ينظر إلى الأرض.

«حطيتها في مكان آمن.»

«فين؟»

«متقلقيش يا ماما.»

«يعني إيه متقلقيش؟»

وأخيرًا رفع عينيه إليّ.

«ممكن بس أطلع آخد دش؟»

وقبل أن أجيبه، اختفى في الطابق العلوي.

وقفت في المطبخ أستمع إلى صوت المياه وهي تنزل من الحمام.

وفي تلك اللحظة، بدأ خيالي ينسج أسوأ الاحتمالات.

النقود المخفية.

الملابس الممزقة.

الأكاذيب.

والدراجة التي لم يشترها.

ماذا لو كان شخص أكبر منه قد أدخله في شيء خطير؟

ماذا لو كان غسل الأطباق مجرد جزء من الحقيقة؟

ماذا لو كان ابني، الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة، متورطًا في شيء خطير وخائفًا من إخباري؟

كرهت نفسي لمجرد أنني فكرت في ذلك.

لكنني لم أستطع أن أجد تفسيرًا آخر يجمع كل هذه الأشياء معًا.

قررت أن أجلس معه وأجبره على إخباري بالحقيقة.

لكن قبل أن أفعل ذلك، اتصل بي مدير المطعم.

كنت في العمل عندما ظهر رقم غريب على هاتفي.

أجبت:

«ألو؟»

قال الرجل:

«هل هذه والدة إيفان؟»

قلت:

«أيوه. مين؟»

«اسمي سال. أنا صاحب المطعم اللي إيفان بيشتغل فيه.»

شعرت بانقباض في معدتي فورًا.

ثم قال:

«محتاج أتكلم مع حضرتك بخصوص ابنك.»

ازداد خفقان قلبي.

«هو عمل حاجة؟»

ساد صمت طويل.

وأخيرًا أجاب سال:

«بصراحة… مش عارف أجاوبك إزاي.»

قلت:

«يعني إيه؟»

سكت مرة أخرى.

ثم سألني:

«حضرتك عارفة ابنك بيعمل إيه بكل المرتب اللي بياخده؟»

عبست وقلت:

«بيدخره.»

«عشان إيه؟»

«عشان يشتري عجلة.»

تنفس سال ببطء.

وعندما تحدث مجددًا، كان صوته مختلفًا.

قال:

«مدام… الأفضل إن حضرتك تقعدي.»

«ليه؟»

«لأن كل اللي إيفان قاله لحضرتك عن الفلوس دي… كذب.»

شعرت أن معدتي سقطت من مكانها.

قلت:

«إنت بتتكلم عن إيه؟»

قال:

«هو مش بيوفر الفلوس عشان العجلة.»

جف حلقي فجأة.

«أمال بيعمل إيه بالفلوس؟»

وقبل أن يتمكن سال من الإجابة، سمعت صراخًا في الخلفية.

ثم سمعت صوت ابني.

«أرجوك! متقولش لماما!»

قفزت من على كرسيي.

«إيفان؟!»

سمعت شخصًا آخر يصرخ.

ثم دوى صوت شيء يتحطم.

صرخت في الهاتف:

«إيفان!»

ثم قلت:

«سال، إيه اللي بيحصل؟»

عاد سال إلى الهاتف وهو يلهث.

«مدام، لازم تيجي هنا.»

«حصل إيه؟»

«ابنك حاول يعملها تاني.»

شعرت ببرودة تسري في جسدي كله.

«يعمل إيه؟»

قال:

«من فضلك… تعالي هنا بس.»

ثم انتهت المكالمة.

لم أفكر حتى في ارتداء معطفي.

أمسكت مفاتيحي وركضت.

طوال الطريق، مرّت في رأسي كل الاحتمالات المرعبة.

هل سرق شيئًا؟

هل دخل في شجار؟

تم نسخ الرابط