كنت بصحي قبل جوزي بساعتين حكايات بسمة
اتفضل يا دكتور، بيع دول أو خليهم أمانة عندك، وادخل هاتها أنضف كيس دم وادويتها كلها... والبيت اللي يتسند على صحة ست ويترفض يصرف عليها لما تقع، ما يلزمناش!
طارق كان واقف زي الشبح. بيبص لأمه وهي بتتصرف راجل مكانه، بيبص لقلة حيلته ونذالته اللي انكشفت قدام الغريب قبل القريب.
بعد يومين في المستشفى، رجعت البيت.
بس ما رجعتش نفس الست اللي خرجت منه. الست اللي كانت بتصحى الساعة 4 الصبح عشان تكوي القمصان وتحضر الفطار لراجل ما بيشوفش، ماتت على أرضية المطبخ.
دخلت الشقة وأنا سانده على عكاز خشب صغير. طارق كان قاعد على الترابيزة، قدامه علب سكاير فاضية وأطباق فيها بقايا أكل عفنت من يومين.
أول ما شافني، قام من مكانه بسرعة وجري عليا
منة... حمد الله على السلامة يا حبيبتي. أنا... أنا كنت خايف عليكِ والله، أمي فهمتني غلط، أنا بس اتخضيت لما شفتك واقعة وما عرفتش أتصرف...
بصيت له بمنتهى الهدوء. الهدوء ده كان أشبه بالجليد اللي بيغطي بركان.
فين الهدوم اللي كانت في الدولاب؟ سألته بصوت خافت بس ثابت.
طارق اتوتر هدوم إيه؟
مشيت ببطء ناسية وجعي، فتحت باب أوضة النوم. لقيت شنطي كلها ملمومة ومحطوطة جنب الباب.
التفتّ له وقلت
أنا لميت حاجتي قبل ما أقع بساعة يا طارق... كنت مستنية بس الموقف اللي يخليني أستوعب إن الأمل فيك كان وهم. والحمد لله، الموقف جه بدري.
طارق مسك إيدي بلهفة ودموعه بدأت تنزل
أرجوكِ يا منة! ما تعمليش كده! أنا عارف إني غلطت، وعارف إني اعتمدت عليكِ وسمعت كلام أمي كتير... بس والله اتعلمت الدرس! أمي نفسها طردتني من بيتها لما رحت لها البارح وقالتلي ما ترجعش غير وإنت راجل بجد!
سحبت إيدي منه بمنتهى القوة والبرود
أمك فهمت متأخر أوي يا طارق... فهمت بعد ما جسمي انكسر وركبي خذلتني. إنت ما كنتش بتسمع كلام أمك لأنك بيار بوالديك، إنت كنت بتسمع كلامها عشان تلاقي مبرر لكسلك، مبرر إنك تقعد في البيت وتخليني أنا الراجل اللي بيصرف ويشقى ويجيب الجنيه!
طارق بص للأرض بصدمة
طب والديون؟ والبيت؟
ابتسمت ابتسامة مكسورة وقاسية
الديون مكتوبة باسمك إنت... مش باسمي. أنا كنت بساعدك بحبي وبأصلي، بس لما الأصالة تتقابل بالندالة، يبقى القانون هو اللي يحكم. المرتبات اللي كنت بجيبها مش هتدخل البيت ده تاني. وشغلي الثاني أنا استقلت منه النهاردة عشان أرحم جسمي اللي ظلمته معاك.
في اللحظة دي، خبط باب الشقة.
فتح طارق، وكانت أمه واقفة ومعاها أخوها الكبيرة الحاج صلاح.
دخلوا الصالة، وبصت لي حماتي بنظرة مليانة أسف وخجل
حقك عليا يا منة يا بنتي... أنا اللي ربطت ابنك على الخيبة، وأنا اللي قسيّت قلبك عليه لحد ما افتكر إن أذية بنت الناس شطارة. بس أنا النهاردة جايبة أخويا عشان نصلح اللي اتكسر... أو ندي كل ذي حق حقه.
قعد الحاج صلاح على الكرسي، وبص لطارق بحدة
جلسة الرجال دي يا طارق... إنت هتبري المدام دي من كل مصاريفك، وهتكتب لها مؤخرها ورسمياً الشقة دي باسمها مقابل الفلوس اللي ادفعتها من عرقها طوال السنتين اللي فاتوا، وإنت تطلع برة يدور لك على لقمة عيش تتعب فيها عشان تعرف قيمة القرش وقيمة الست اللي تصونك!
طارق صرخ بالرفض
إيه اللي بتقولوه ده؟! إنتوا جايبين تبيعوني وتدوا مراتي كل حاجة؟!
حماتي وقفت وقالت له بصوت قاطع هز جدران الشقة
إحنا بنربيك من جديد يا طارق! بنربيك بعد ما أثبت إنك ما تنفعش تكون زوج ولا تشيل بيت. لو عايز تفضل راجل، انزل اشتغل وعرق وسدد ديونك بنفسك، وساعتها لو هي رضيت ترجعلك، يبقى كتر خيرها... أما لو فضلت كده، فما يلزمناش راجل يرمي مراته على الأرض ويقول بتتدلع!
مرت ست شهور على الليلة دي...
أنا قعدت في شقتي، استرديت صحتي وعافيتي ورجعت لراحت شغلي الأولاني وبس، وبدأت أعيش لنفسي ولصحتي اللي ضاعت.
أما طارق... فكانت الصدمة هي الدوا اللي صحاه من نومه. ساب الكسل، واشتغل شيفتين زي ما كنت بعمل، وبقى يسدد في ديونه قرش بقرش، وعاش في شقة بالإيجار لوحده بيجرب يعني إيه شقى ويعني إيه مسؤولية.
بييجي كل أسبوع يحط جزء من مؤخري وقيمته تحت الباب، ويسيب وردة ورسالة إعتذار... بس أنا لحد النهاردة ما فتحتش الباب.
لأن الست لما تقع على الأرض وتكتشف إن سندها هو اللي بيصورها وهي بتموت عشان يضحك الناس عليها... ما بترجعش بسهولة. والدروس اللي بتتعمد بالألم، بتخلي العقل هو اللي يحكم، مش القلب!
تمت