لقيت راجل مشرد
ضحك من قلبه.
تاني يوم الصبح، خرجت من البيت قبل الساعة ٦.
كريم كان لسه نايم على الكنبة.
وطول الشيفت، حاولت أطرد الموضوع من دماغي.
الساعة ٩، لقيت نفسي بفكر
يا ترى قام ومشي؟
الساعة ١٢، بدأت أقلق
هو قفل أوضة نومي بالمفتاح كان كفاية؟
الساعة ٣، كنت على وشك أتصل بجارتنا وأطلب منها تطلع تبص على الشقة، لكن أجبرت نفسي أبطل تفكير.
ولما خلصت شغلي، كنت منهكة تمامًا، ومتضايقة من نفسي عشان كل الشكوك اللي في دماغي.
عديت على آدم من نشاط ما بعد المدرسة، وركبنا العربية ورجعنا البيت.
وأول سؤال قاله كان نفس السؤال اللي كان بيدور في دماغي
تفتكري كريم لسه عندنا؟
قلت
يا رب لأ.
وشه اتغير.
كده إنتِ قاسية يا ماما.
مش موضوع قسوة يا حبيبي. إحنا اتفقنا على ليلة واحدة بس.
طلعنا من الأسانسير في الدور بتاعنا.
لكن أول ما مشينا في الطرقة
حسيت إن فيه حاجة غريبة.
الجو نفسه كان مختلف.
كان فيه ريحة خفيفة للخميرة والعيش اللي لسه خارج من الفرن.
قلت لنفسي إن أكيد حد من الجيران بدأ يجهز العشا بدري.
دخلت المفتاح في كالون الباب.
لفيته.
فتحت الباب.
وبمجرد ما دخلت عيني أول خطوة جوه الشقة
اتجمدت مكاني.
ساد صمت قاطع في الممر، والدم اتسحب تماماً من وشي.
الشنط وقعت من إيدي على الأرض.
الشقة ما كانتش متسرقة ولا مقلوبة رأساً على عقب زي ما خيالي المريض صورلي طول الشيفت... الشقة كانت متحولة لمكان تاني خالص!
صوت المية اللي كانت بتنقط في المطبخ وبتجيبلي الصداع بقالها شهور؟ اختفت تماماً.
الباب اللي كنت بضطر أضربه بكتفي عشان يترتق ويمسك؟ اتعدل في مفصلاته وبقى بيتقفل ويتقفل بمنتهى النعومة والهدوء!
والأغرب من ده كله... كريم ما كانش مشي.
كان واقف في المطبخ، لابس نفس الهودي القديم، ماسك صينية عيش صاج سخن وطالع بيها من المطبخ، ورجله بالدعامة بتتسحب ببطء على الأرض. الشقة كلها كانت بتلمع، الحيطان اللي كان فيها بقع رطوبة اتنضفت، والترابيزة اللي كانت مكركبة بأوراق ومصاريف اتنظمت في فايلات مرتبة.
أول ما شافني، وشه اتوتر وساب الصينية على الترابيزة بسرعة، وقال بنبرة مليانة إحراج وخجل
داليا... أنا آسف جداً. أنا عارف إن الاتفاق كان إني أمشي الصبح... بس ما قدرتش أمشي وأسيب البيت بالشكل ده وأنتِ شايلة الهم ده كله وحدك.
آدم صرخ بفرحة وجري عليه حضنه
كريم! إنت لسه هنا! وعملت عيش كمان؟!
أنا فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أجمع جملة واحدة مفيدة من كتر الذهول والصدمة.
كريم بص للأرض وطلع من جيبه ورقة صغيرة، وقال بصوت خافت
أنا مش مشرد يا داليا... ولا نصاب. أنا مهندس ديكور وصيانة شبكات، وكان عندي شركتي الخاصة لحد ما شريكي خانني وسرق كل حاجة وعمل حادثة بالدعامة دي ودخلني في ديون وقضايا اتسببت في إن البنك يحجز على كل أملاكي من شهرين. لما لقيتيني قدام السوبرماركت، كنت وصلت لقمة اليأس، وكنت رايح الملجأ عشان خلاص ما بقاش حيلتي جنيه.
مسح وش بأيده وكمل ودموعه حبستها كرامته
اللي إنتِ وآدم عملتوه معايا البارح... إنكم دخلتوني بيتكم وأكلتوني وشوفتوني كإنسان مش كزبالة على الرصيف... رجعلي روحي. أنا قعدت النهار كله أصلح الحنفية، وأظبط الباب، وأدهن الحيطة باللي كان فاضل عندك، وعملت شوية عيش بالدقيق اللي في الدولاب... كنوع بسيط من رد الجميل قبل ما أمشي.
قرب كريم من الباب ومسك شنطته القماش القديمة، وقال
أنا هسيبك دلوقتي... وشكراً إنك رجعتيلي إيماني بالنبي وبالناس.
آدم مسك في الجاكت بتاعه وبصلي بعيون مليانة ترجي
ماما... أرجوكي!
الدموع نزلت من عيني. الشك والخوف اللي عشت فيهم طول اليوم تحولوا لخجل شديد من نفسي. قربت منه وقلت بصوت بيترعش
سيب الشنطة يا كريم... الصيانة اللي عملتها في الشقة دي تكفيك إقامة شهر كامل. وعشا النهاردة عليا أنا وآدم.
ابتسم كريم ابتسامة دافئة جداً، ومن الليلة دي... حياتنا اتغيرت.
كريم ما بقاش مجرد ضيف؛ بقى جزء من عيلتنا الصغيرة. ساعدته يوقف على رجله تاني، وتواصل مع محامي دار الرعاية اللي شغالة فيها، واسترد جزء من حقه القانوني، وبعد سنة واحدة بس... فتح ورشة صيانة صغيرة وبقت حياته أمل جديد، وأنا وآدم لقينا السند والأمان اللي كنا فاكرين إنه ضاع للأبد.
وعرفت إن الأبواب المقفولة والظروف الصعبة، أوقات بتكون مجرد تمهيد لمعجزة ربنا باعتها في هيئة غريب بنساعده على الرصيف.