حنة أخت جوزي
فاضية.. القاعة كانت بتغلي بالناس، صريخ الزغاريد هز السقف، بس الصدمة مكنتش هنا.. الصدمة كانت في الناس اللي كانوا قاعدين في أول ترابيزة في وش الباب بالظبط، ناس مكناش نتخيل في أسوأ كوابيسنا ولا أحلى أحلامنا إنهم يكونوا موجودين الليلة دي! يتبع..
حماتي فضلت متنحة، إيدها متيبسة جوة إيدي وعينيها مبرقة في الترابيزة الكبيرة اللي محطوطة على يمين الممر.. مش قادرة تصدق، ولا عقلها مستوعب المنظر.
قاعد هناك عم العروسة الكبير اللي متغرب في الكويت بقاله سنين، بجلالة قدره وهيبته وبدلته الشيك، وجنبه ولاده التلاتة ببدلهم الكاملة، وحواليهم شيوخ وكبار عيلة حماها الله يرحمه اللي كانت بينها وبينهم قطيعة من سنين طويلة بعد موت الأب وخلافات قديمة على الميراث.. الناس دي كلها قاعدة، وقدامهم الصواني والمشاريب، وأول ما لمحوا حماتي والعروسة، قاموا كلهم وقفة راجل واحد!
الصدمة التانية بقى.. كانت في الترابيزة اللي وراهم علطول!
أخت حماتي الكبيرة! أيوه، هي بلحمها ودمها، قاعدة في نص القاعة لابسة فستانها السواريه، وجنبها باقي الإخوات والولاد، ووشوشهم زي اللوح الخشب، مش عارفين يبصوا فين من كسفة عينهم وخجلهم! الناس اللي حلفوا ميعتبوش الفرح، قاعدين مطاطيين راسهم كأن على رؤوسهم الطير، وعينيهم عمالة تتلفت يمين وشمال كأنهم بيدوروا على جحر يستخبوا فيه!
حماتي بصتلي بذهول، شفايفها بتترعش ومش قادرة تنطق، لفت وشها لجوزي وقالت بصوت طالع من قعر قلبها هو إيه ده يا بني؟ أنا بحلم ولا ده حقيقي؟ عمك جه إمتى من السفر؟ وخالاتك اللي حلفوا يكسروا فرحة البت إيه اللي جابهم هنا وقعدهم بالقهرة دي؟
جوزي ابتسم ابتسامة هادية كلها شموخ، وباس راس أمه قدام القاعة كلها، وقالها بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين ارفعي راسك يا أمي.. بنتك أبوها مات، بس ساب وراه رجالة، ومات وساب عيلة وأصول مبتنساش الواجب مهما بعدت المسافات ومهما فرقتنا الأيام.
حماتي عينيها دمعت، والعروسة شهقت من الفرحة وجريت على عمها رمت نفسها في حضنه، الراجل حضنها بحنية الدنيا وقال في المايك اللي جابه الدي جي مخصوص ألف مبروك يا بنت الغالي.. عمك كان ممكن يلف الدنيا كلها، بس ميجيش اليوم اللي بنته تتكسر فيه ولا تفتكر إن مالهاش ضهر يسد عين الشمس.. إحنا ضهرك وسندك ليوم الدين.
القاعة كلها اتهزت بالتسقيف والصفير، الزغاريد رجت السقف، والناس بدأت تتدافع عشان تسلم وتهني.
أنا وجوزي وحماتي وقفنا على جنب شوية عشان تفهم إيه اللي حصل بالضبط وإزاي المأتم ده اتقلب لفرح أسطوري كده. جوزي خد نفس طويل وبص لأمه وقال اسمعي يا أمي.. امبارح لما مراتي كلمتني وحكتلي المهزلة اللي عملتها خالتك في الحنة، حسيت إن ناري قايدة، بس كلام مراتي كان عين العقل.. قالتلي مش وقت خناق ولا ضرب، الفرح بكرة ولازم نرد بالأصول اللي توجع بجد.
أول ما قفلت معاها، رنيت فوراً على عمي في الكويت، قولتله يا عمي، بنت أخوك المرحوم فرحها بكرة، وفي ناس قرايب من ناحية أمي نزلوا كسروا بخاطرها وقالوا مالهاش ضهر ومهددين يقاطعوا الفرح عشان القاعة تبان فاضية وأهل العريس يعايروها.. وأنا راجل واحد، وعمي هو كبيرنا بعد أبونا.
عمي قالي كلمة واحدة اقفل يا بني وجهزلي عربية تستناني في المطار الصبح. عمي حجز أول طيارة فجر، ونزل مصر مخصوص عشان الليلة دي! وأول ما وصل الصبح، كلم كبارات العيلة كلهم في البلد، وقالهم بنت أخونا بتتجوز الليلة، واللي ملوش أصل فيكم يقعد في بيته، إنما ولاد الأصول يتجمعوا ورايا.. جم كلهم في عربيات ميكروباصات ملايين الصعيد وناس تشرف بلد كاملة!
حماتي حطت إيدها على قلبها وقالت بدموع يا ألف نهار أبيض.. كتر خيره وخير أصله، طب وخالاتي يا بني؟ إيه اللي رماهم هنا وجابهم يقعدوا بالقهرة دي بعد ما شمتوا فيا وفي بنتي وحلفوا بالطلاق ما يدخلوا؟
هنا جوزي ابتسم بنص بقه وبصلي، وقال لأمه دي بقى تسألي فيها مرات ابنك اللي تفكيرها يوزن بلد.. هي صاحبة الخطة اللي جابتهم يزحفوا على بطونهم لحد هنا.
حماتي لفتلي وعينيها كلها لمعة امتنان عملتي إيه يا بنتي؟ ريحي قلبي وفهميني!
ضحكت وبوست إيدها وقولتلها يا ماما، الناس دي مش بيمشوا بالأصول ولا بالذوق، الناس دي بيمشوا بالخوف من الفضيحة والمظاهر الكدابة! امبارح لما وزعت المية رغيف حواوشي على الجيران بتوع الشارع كله وبتوع العمارة، الكل عرف إن خالتها الكبيرة هي اللي اتندلت وخلفت وعدها وجاعت المعازيم، وسيرتها بقت على كل لسان في المنطقة كلها وبقت فضيحة مجلجلة.
بعدها بالليل، لما عم جوزي نزل ووصل الشقة الصبح، عرفت إنه جاي ومعاه هيبة ورجالة تشرف، قومت مكلمة خالي الصغير، الوحيد اللي فيه ريحة العقل فيهم، قولتله يا خال، بلغ أختك الكبيرة إن عم العروسة جه من الكويت مخصوص بالهدايا والشياكة، وعازم معاه ناس تقال ومستشارين وأصحاب أعمال، وإن العيلة كلها محطوطة في كفة واحدة قدام الناس. وبلغها إن الكراسي مش هتفضى زي ما كانت فاكرة، بس لو حد سأل عم العروسة فين خالاتها التانيين، هيتقال الحقيقة كاملة في الميكروفون قدام ألف بني آدم.. هيتقال إنهم غدروا بيها في ليلتها عشان حتة لقمة!
خالي راح بلغهم، وطبعاً أختها الكبيرة جالها جنان! خافت من عمها اللي كلمته سيف، وخافت من الفضيحة قدام معارف البلد كلها، وفوق كل ده عرفت إن كيدها رجع في نحرها وإن الفرح هيتملي من غيرها وهتبقى هي اللي خسرت كل حاجة وبانت وراحت في الرجلين. فجم غصب عن عينهم، جم عشان يداروا خيبتهم وخوفهم من إن حد يفتش وراهم!
حماتي
بصت ناحية ترابيزتهم، لقت أختها الكبيرة قاعدة عمالة تفرك في إيديها، وباقي الخالات باصين في الأرض، كل شوية واحدة منهم تهمس للتانية بكسوف، مفيش حد من المعازيم راضي يروح يقعد معاهم ولا يسلم عليهم بحرارة، لإن ريحة اللي عملوه في الحنة كانت وصلت لكبار العيلة كلهم.
وفجأة، لقينا أم العريس جاية من بعيد، ماشية بتتبختر بفستانها، وعينيها بتدور في القاعة بزهول.. القاعة كانت مليانة على آخرها، مفيش كرسي واحد فاضي! شباب ورجالة لابسين أرقى بدل، وستات وبنات بيزغردوا، والمعازيم من طرفنا كانوا أكتر من طرفهم بمرتين!
قربت أم العريس من حماتي، ووشها كان متغير 180 درجة، مدت إيدها تسلم وهي محرجة وبتقول ألف مبروك يا أم العروسة.. ما شاء الله، ما شاء الله، تبارك الله.. إيه الهيبة والعزوة دي كلها؟ ده إحنا كنا بنقول القاعة هتبقى واسعة، ده المعازيم مش لاقيين كراسي تقعد عليها!
حماتي بصتلها بثبات وشموخ، وبابتسامة هادية ردت عليها الله يبارك فيكي يا أم أحمد.. إحنا ناس ولاد أصول، وبنتي مش مقطوعة من شجرة زي ما كنتي فاكرة.. بنتي وراها رجالة تملى العين وتشيل الهم في ثانية، والمعدن الأصيل مبيبانش إلا في الشدة يا حبيبتي.
أم العريس معرفتش تنطق كلمة، بلعت ريقها وقالت حقك عليا يا أختي، متآخذنيش في اللي قلته امبارح، كان غصب عني من الخضة والناس اللي بتنقل كلام.. بنتك بنتي، وراسها مرفوعة فوق راس الكل.
مشيت أم العريس
وهي حاسة إنها صغرت أوي قدام هيبة الناس دي، وجوزي همس في ودني الله ينور عليكي.. كده الرد كمل، وكرامة أمي وأختي رجعت ترفرف فوق السحاب.
وبدأت الزفة الحقيقية.. الدي جي شغل الأغاني الشعبي والبلدي اللي تلهب الحماس، والشباب ولاد عم العروسة نزلوا ساحة الرقص، عملوا حلقة حوالين العريس وبدأوا يرقصوا بالعصيان وبالبدل، شكلهم كان يفرح ويهز المكان هز. العروسة كانت بتطير من الفرحة، مسكت إيد عريسها اللي كان بيبصلها بانبهار واعتذار مكتوم في عينيه، وبدأوا يلفوا في القاعة والكل بيزغرط ويغني معاهم.
وسط الدوشة دي كلها، لقيت أخت حماتي الكبيرة قامت من مكانها بالراحة، متسحبة، وجاية ناحية الكوشة عشان تسلم. حصري على صفحة روايات و اقتباسات كانت ماشية خطوة لقدام وعشرة لورا، وشها كان أصفر زي الليمونة، وصلت قدام حماتي ومدت إيدها وهي مكسورة وبتقول بصوت واطي بيترعش ألف مبروك يا أختي.. ربنا يتمملها على خير.
حماتي وقفت، بصت لإيد أختها الممدودة لحظة، القاعة كلها كانت دوشة بس في اللحظة دي حسينا كأن الدنيا هديت حوالينا.. حماتي مدت إيدها وسلمت ببرود وبأطراف صوابعها، ومسحبتهاش في حضنها زي ما كانت متعودة تعمل طول عمرها، وبصت في عين أختها وقالتلها بصوت واطي بس حاد زي حد السيف الله يبارك فيكي يا أختي.. كتر خيرك إنك جيتي. بس خليكي فاكرة كويس.. اللقمة اللي بخلتي بيها على عيال أختك في يوم حنتهم، ربنا فتح قصادها مية باب ستر وخير من وسع. والكسرة اللي كنتي ناوية تكسريها في قلبي أنا وبنتي، ربنا بدلها بعز وجبر خاطر قدام أمة لا إله إلا الله كلها. الدم بيحن يا أختي.. بس لما بيغدر، الغريب بيبقى أحن منه مية مرة.
أختها نزلت راسها في الأرض ومقدرتش تحط عينها في عين حماتي، وقفت تايهة ثواني، ولما لقت إن محدش رحب بيها ولا حد من عمام البنت بصلها حتى، لفت ضهرها ورجعت لترابيزتها تجر أذيال الخيبة، وقبل ما الفرح يخلص بساعة، كانوا واخدين بعضهم هما وعيالهم وماشيين في صمت من الباب الخلفي، ومحدش حس بيهم ولا بوجودهم أصلاً.
الفرح كمل لأحلى صورة ممكن أي حد يتمناها.. بسنت رقصت وفرحت وطارت مع عريسها، وحماتي كانت بتوزع الشربات والجاتوه على الناس وهي رافعة راسها للسما وبتدعي ربنا من قلبها، وكل شوية تبصلي وتبوس راسي وتقولي ربنا يجعلك مستورة دنيا وآخرة يا وش السعد، لولا وقفتك ودماغك كان زماننا مفضوحين وسط الخلايق.
الساعة دقت اتنين بعد نص الليل، وخلص الفرح، والعروسة طلعت على بيتها معززة مكرمة زي الملكات، وعمها وأولاده وصلوها في موكب عربيات يهز الشوارع.
روحنا بيتنا مع حماتي، دخلنا الشقة اللي كانت من يومين مقلوبة ومطينة بطين.. بس الليلة دي كانت منورة بريحة الفرح والانتصار. قعدنا في الصالة، وحماتي خدت نفس طويل أوي كأنها كانت شايلة جبل على صدرها ونزل في ثانية، وقالت وهي بتبص للسقف سبحانك يا رب.. يمهل ولا يهمل. اللي يبيعنا عشان رغيف عيش، ربنا يعوضنا عنه بكنوز الدنيا، واللي يقصد يكسرنا، ربنا بيبعتله اللي يكسر كبرياءه في نفس الليلة.. الحمد لله اللي سد عيون الشامتين، ورد كيدهم في نحورهم، وطلعنا من الحكاية دي وإحنا عارفين مين سندنا الحقيقي ومين اللي كان مستنينا نقع عشان يدوس علينا!
ضحكنا كلنا، وجوزي دخل جاب العشا، وقعدنا ناكل وإحنا بنحكي ونضحك على وشوشهم، وعرفنا ليلتها إن الأصل غلاب، وإن اللقمة الحلال والقلب الطيب مبيتغلبوش أبداً مهما كترت الندالة حواليهم. النهاية