حنة أخت جوزي

لمحة نيوز

الناس اشتروا خاطرها ورموا خاطر أم العروسة وبنتها اللي أول فرحتها النهاردة، ومشيوا وسابوا البيت يصفر. وأنا نزلت أجري على رجلي وجبت لحمة ووقفت قدام الفرن وخبزت مية رغيف حواوشي عشان أستر البيت وألحق المعازيم، رجعت لقيتهم هربوا وسابوا الولية لوحدها في الضلمة عشان يكسروا نفسها!
شاورت على العلب والكراتين المرصوصة في الصالة الأكل أهو يشرف بلد كاملة! بس هما مش عايزين لقمة، هما عايزين يكسروا فرحة البت عشان حاقدين إنها بتتجوز وبتفرح، ودي الحقيقة اللي مفيش غيرها، وربنا شاهد ومطلع.
الصالة سكتت لحظة، كأن ملايكة سكتت الكل. أبو العريس بص للعلب، وبص لدموع العروسة المنهارة على الباب، ولف لابنه وقاله بصوت واطي بس صارم شفت؟ قولتلك متسمعش كلام الشوارع ولا تطاوع أمك في الخفة. الناس مستورين وأصيلين، والعيب طلع من اللي خرج وفضح نفسه.
حمى العروسة كان محترم، بس أم العريس كانت لسه مش راضية، لوت بوزها وقالت ماشي يا أبو أحمد، ولاد الأصول على عينا وراسنا.. بس برضه إحنا مش هنروح بكرة قاعة الفرح نلاقي نص القاعة بتاع أهل العروسة فاضي كراسي بلاستيك تصفر! المعازيم من طرفنا جايين أشكال وألوان، ومش هسمح لحد يعاير ابني ويقول واخد بت مقطوعة من شجرة وأهلها مقاطعينها وكسروا فرحتها! لو أهلها مجوش الفرح بكرة، يبقى الفرح ده ملوش لزوم يتلم بالطريقة دي!
الكلمة نزلت على راس حماتي زي الصاعقة. العروسة رمت نفسها على الكنبة وفضلت تصرخ بهستيريا حرام عليكم! ذنبي إيه أنا أتدفن حية كده في يوم فرحي؟! أنا عملت لمين إيه فيكم؟!
العريس اتلخبط، مشاعره اتهزت لما شاف عروسته بالحالة دي، قرب منها وقال يا بسنت خلاص اهدي، مش قصدي والله، بس أمي خايفة على منظرنا قدام الناس.
حماتي وقفت على حيلها بالعافية، ومسحت دموعها بطرف طرحتها، وظهرت فيها قوة غريبة معرفش جابتها منين. قربت من أم العريس وقالتلها بصوت طالع من قعر قلبها بنتي مش مقطوعة من شجرة يا أم أحمد.. بنتي ليها رب كريم، وليها أم مستعدة تبيع لحم كتافها عشان متشوفش دمعة واحدة في عينيها. بكره القاعة هتتملى، ومش هسمح لمخلوق يكسر بخاطرها، ولو هروح ألم الناس من الشارع عشان يقفوا جنبها!
أبو العريس طبطب على كتف حماتي وقال حقك علينا يا أم العروسة، اعتبري اللي حصل ده كانه مكنش، وإحنا بكرة في ضهرك ومع بنتك. يالا يا أحمد، يالا يا أم أحمد، نسيب الناس ترتاح وتجهز نفسها لبكرة.
خرجوا، وقفلت وراهم الباب، والسكوت رجع خيم على الشقة، بس سكوت المرة دي كان محمل بوجع تقيل. حماتي وقعت على الكرسي كأن كل طاقتها خلصت في الكلمتين اللي قالتهم.
جريت عليها وجبتلها كوباية ماية بسكر، شربتها بإيد بتترعش اشربي يا ماما بالله عليكي، متعمليش في نفسك كده، ربنا مش هيسيبنا.
حماتي بصتلي بكسرة وقالت هعمل إيه يا بنتي في الفرح بكرة؟ القاعة متفقين عليها على خمسمية فرد، أهله لوحدهم جايبين تلاتمية، وإحنا قرايبنا ومعارفنا كان المفروض يملوا الميتين الباقيين. دلوقتي إخواتي حلفوا على العيلة كلها متروحش، والناس بتخاف من أختي الكبيرة وكلمتها ماشية على الكل. هروح بكره ألاقي الكراسي فاضية والناس تشمت فيا وفي بنتي؟
قعدت قدامها على الأرض ومسكت إيديها وبوستها وحياة حنية قلبك وطيبتك دي يا ماما، بكرة القاعة دي هتتقفل من كتر الناس، ومش هنخلي مخلوق يعايرنا، اسمعي مني بس.
قومت من جنبها وطلعت تليفوني، كان لازم أتصرف بسرعة ومضيعش دقيقة واحدة. دخلت البلكونة ورنيت على جوزي، حكيتله

كل اللي دار من طأطأ لسلامو عليكم، الراجل كان شغال برا المحافظة وبيخلص أوراق وراجع في السكة، صوته كان هيفرقع من الغيظ وهو بيسمع عمايل خالاته هما وصلوا للدرجة دي؟! ده أنا هروح أطربق الدنيا على دماغهم كلهم!
صوتت فيه براحة اهدى يا فلان، مش وقت خناق ولا فضايح دلوقتي! لو روحت اتخانقت هتعمل اللي هما عايزينه وهيقولوا شوفوا قلة أدبهم، بكرة فرح أختك ومينفعش يتعكر بدم أو بوليس. إحنا لازم نرد عليهم رد يوجعهم بالأصول والشياكة، رد يخليهم يضربوا كف على كف من الندم!
سألني وهو بياخد نفسه بصعوبة وهنعمل إيه؟ إخواتها مسيطرين على باقي القرايب كلهم ومحدش هيجرؤ يعصى كلمتهم!
قولتله وأنا عيني على بسنت اللي كانت نايمة على الكنبة بتنهنه سيب الموضوع ده عليا أنا وأنت، أول ما توصل بالسلامة نتقابل ونبدأ نتحرك.
قفلت مع جوزي، ودخلت بسرعة على جروبات العيلة، لقيت رسايل متوزعة في كل مكان من خالتها الكبيرة محدش يحضر فرح بسنت، واللي هيحضر ملوش مكان وسطينا، دي عيلة مفيهاش خير وعايزين يقلوا مننا. الناس كانت ساكتة وخايفة، ومحدش قادر ينطق كلمة حق.
مسكت التليفون وفتحت قايمة اتصالاتي الخاصة، أهلي، جيراني في منطقتي القديمة، صحابي في الشغل، زميلات بسنت في الكلية وفي الشغل، ومعارف جوزي والشباب الجدعان اللي في منطقتنا اللي بيقفوا في الأزمات زي الجبال. بعت رسايل وسجلت فويس نوت بصوت فيه كل الصدق والعشم يا جماعة، بكرة حنة وفرح أخت جوزي، وأهل النفوس المريضة حبوا يكسروا بخاطرها في ليلة عمرها، القاعة لازم تتملى، واللي ليه خاطر عندي وعايز يقف جنب ولية غلبانة وعروسة ملهاش ذنب، يجي يشرفنا وينورنا ويفرح من قلبه.
وفي نفس الوقت، قومت وزعت الأكل اللي عملناه في الحنة على الجيران والناس الطيبين في العمارة والشوارع اللي جنبنا، كل واحد ياخد طبقه ويدعي للعروسة ويقول ربنا يجبر بخاطركم ويتمملكم على خير. الدعوات دي كانت كفيلة ترد الروح في البيت وتهدي النار اللي قايدة في صدورنا.
جه تاني يوم الصبح، يوم الفرح الموعود. صحيت من الفجر، البيت كان بيتحرك زي خلية نحل. جوزي كان وصل وشه منور رغم التعب والإرهاق، حضن أمه وباس راسها وقالها طول ما أنا عايش على وش الدنيا، مفيش مخلوق يقدر ينزل دمعتك يا أمي، ارفعي راسك وبنتك هتتجوز زفة ملوكي تشهد عليها المحافظة كلها.
روحنا مع بسنت الكوافير، كنت واقفة فوق راسها مش سايباها ثانية، خليت الميكب أرتست تطلعها قمر منور، فستانها كان أبيض كأنه قطعة من الغيم، ولما حطت الطرحة وبصت لنفسها في المراية، ابتسمت أول ابتسامة من يومين، وحسيت إن قلبي ارتاح شوية، بس الرعب الحقيقي كان لسه مستنينا في القاعة.
الساعة بقت تمنية بالليل، معاد الدخول. ركبنا العربيات واتحركنا في زفة على القاعة الكبيرة. طول الطريق وأنا ماسكة إيد حماتي اللي كانت بتترعش وبتسبح على صوابعها ومش قادرة تبص في وش حد من كتر التوتر والخوف من الفضيحة اللي ممكن تقابلها جوة.
وصلنا قدام باب القاعة، المزيكة بدأت تعلى، والأضواء كانت بتلمع في كل حتة. العريس كان واقف مستني عروسته وابتسامته وسعت أول ما شافها، مسك إيدها وباس جبينها، وبدأوا يتحركوا على ممر الشرف.
حماتي كانت ماشية وراهم بتتسحب، عينيها عمالة تدور في ترابيزات القاعة يمين وشمال برعب، خايفة تلاقي الكراسي فاضية زي ما خالتها حلفت وقالت.
بس أول ما فتحنا باب الصالة الكبيرة والستارة اترفعت.. رجلينا وقفت، وحماتي شهقت شهقة خلت الكل يلتفت ليها!
القاعة مكنتش
تم نسخ الرابط