اتجوزت بنت ريفية
تحت السلم فيه حاجات ما ينفعش حد يقرب منها.
آدم بص لها.
وإنتِ ما سألتِهوش ليه؟
سألته. كان بيقول لي لما تكبري هفهمك.
لكن أبوها وقع من السلم، وبعدها بقى كلامه قليل جدًا.
آدم جاب مفك من الأدوات، وبدأ يرفع البلاطة بحذر.
تحتها كان فيه تجويف صغير.
وفي التجويف صندوق حديد قديم، مقفول بقفل صدئ.
سلمى اتنفست بسرعة.
ده بتاع أبويا.
إنتِ متأكدة؟
أيوه. أنا شفته مرة وهو بيحطه هنا.
آدم كسر القفل، وفتحوا الصندوق.
جواه كانت فيه صور قديمة، دفتر أسود، شوية خرائط، وفلاشة صغيرة ملفوفة في كيس بلاستيك.
وفي قاع الصندوق، ظرف بني مكتوب عليه
إلى رجب لو حصل لي أي حاجة.
سلمى مسكت الظرف، وإيدها بدأت ترتعش.
ده خط أبويا.
فتحت الورقة.
وكان أول سطر فيها
يا رجب، لو وصلت لك الورقة دي، يبقى أنا ما قدرتش أرجع حق الناس اللي وثقوا فيا.
آدم قرب منها.
الورقة كانت طويلة، ومكتوبة من 12 سنة.
عم رجب كان وقتها بيشتغل مساعدًا لفريق مسح جيولوجي في منطقة صحراوية قريبة من الفيوم. الفريق كان تابعًا لشركة كبيرة، وكان مسؤولًا عن دراسة الصخور والتربة قبل تنفيذ مشروع استخراج مواد معدنية.
لكن خلال الشغل، اكتشف رجب إن فيه عينات اتبدلت، وتقارير اتعدلت، ونتائج اتزوّرت.
الأغرب إن التوقيعات الموجودة على بعض الأوراق كانت باسم أشخاص ماتوا قبل تاريخ التقارير.
وفي آخر الورقة، كتب
أنا شفت بعيني ناس من الشركة بيخرجوا صناديق بالليل. ولما سألت، قالوا لي دي عينات تالفة. لكن أنا عارف إن اللي جوه مش عينات.
سلمى رفعت عينيها.
شركة إيه؟
آدم قلب الورقة.
وفي آخر الصفحة كان فيه اسم واضح
شركة الشناوي للتعدين والمقاولات.
آدم حس إن الأرض بتتحرك تحته.
مستحيل.
سلمى بصت له.
إنت تعرف الشركة دي؟
دي شركة أبويا.
سكتوا الاتنين.
لكن المفاجأة ما كانتش في اسم الشركة بس.
كان فيه اسم تاني متكرر في الأوراق.
مراد الشناوي.
3. الحقيقة اللي أبوها دفنها
قعدوا طول الليل يراجعوا الدفتر.
رجب كان كاتب تواريخ، وأرقام شحنات، وأسماء موظفين، وأماكن مخازن.
وفي صفحة
مراد طلب مني أوقّع على تقرير مزور. لما رفضت، قال لي إن شغلي وحياتي مش أهم من مصلحة الشركة.
سلمى حطت إيدها على بوقها.
مراد؟ ابن عمك؟
آدم ما ردش.
كان بيحاول يفتكر كل مرة شاف فيها مراد بيتعامل مع أبوه، وكل مرة أبوه كان بيقفل كلامه لما آدم يدخل المكتب.
فجأة، لقى صورة قديمة بين الأوراق.
الصورة كانت لفريق العمل واقف قدام عربية نقل، وفي الخلفية صناديق خشب.
في طرف الصورة، كان فيه شاب صغير واقف جنب رجب.
آدم قرب الصورة من النور.
ده أبويا؟
سلمى بصت.
أيوه. أبوك كان معاهم؟
آدم قلب الصورة.
على ضهرها مكتوب
مشروع الوادي 2014
وتحتها أسماء الفريق.
كان اسم حسام الشناوي موجودًا.
آدم حس إن صدره ضاق.
أبوه كان عارف.
لكن هل كان شريكًا؟ ولا كان بيحاول يمنع الكارثة؟
في الصبح، راحوا لعم رجب.
كان قاعد على السرير، ووشه مرهق.
سلمى حطت الدفتر قدامه.
أول ما شافه، عينيه اتسعت.
إنتِ فتحتي الصندوق؟
أيوه يا بابا. أنا وآدم.
رجب بص لآدم طويلًا.
ابن حسام؟
آدم هز راسه.
أيوه يا عمي. أنا مش فاهم حاجة.
رجب سكت، وبعدها أشار له يقرب.
أبوك مش زي ما إنت فاكر.
آدم اتجمد.
يعني إيه؟
أنا اشتغلت معاه سنين. كان عنده أخوه، سامح، شريك في الشركة. سامح كان هو اللي ماسك شغل التعدين، ومراد كان ابنه وبيتعلم منه.
ووالدي؟
أبوك كان مسؤول عن الحسابات والمقاولات. ولما اكتشف إن فيه تلاعب، حاول يوقفهم.
سلمى قربت.
طب ليه ما قالش لحد؟
رجب تنهد.
لأن أخوه كان أقرب واحد له. ولما حسام هدد إنه يفضحهم، حصلت حادثة.
آدم بص له.
حادثة مين؟
رجب غمض عينيه.
سامح مات.
سكت البيت كله.
أبوك اتكسر يومها. لكن قبل ما يموت سامح، كان فيه ملف اختفى. ملف فيه كل حاجة.
آدم قال
والملف ده عند مين؟
رجب بص له بحزن.
عند أبوك.
4. ليه حسام كان بيبعد ابنه عن الشركة؟
رجع آدم القاهرة في نفس اليوم.
ما قالش لأبوه إنه عرف حاجة.
دخل الفيلا متأخر، ولقى حسام قاعد في المكتب، قدامه ملفات كتير.
أول ما شاف ابنه، رفع عينيه.
رجعت؟
أيوه.
ارتحت في البلد؟
جدًا.
حسام ابتسم ابتسامة صغيرة.
كويس.
آدم قعد قدامه.
بابا، هو عمي سامح مات إزاي؟
حسام اتجمد.
القلم وقع من إيده.
مين قال لك الاسم ده؟
أنا بسأل.
إنت مالك بالماضي؟
عشان الماضي ده ليه علاقة بشركتك.
حسام قام مرة واحدة.
آدم، اطلع أوضتك.
لأ.
لأول مرة، ابنه ما أطاعوش.
أنا لقيت دفتر عم رجب.
حسام فضل واقف، وشه شاحب.
إنت دخلت في الموضوع ده إزاي؟
عشان أفهم. إنت كنت عارف إن فيه تزوير؟ وإن مراد كان بيضغط على الناس؟
حسام قرب منه، وصوته بقى واطي.
اسمعني كويس. مراد خطر. ما تثقش فيه.
طب ليه خليته مدير في الشركة؟
لأنه ابن أخويا.
وده مبرر؟
حسام سكت.
آدم كمل
إنت عاقبتني عشان خبطت راجل بالموتوسيكل. لكن عمرك ما عاقبت مراد على اللي عمله.
حسام ضرب بإيده على المكتب.
إنت ما تعرفش حاجة!
يبقى فهمني!
حسام بص له طويلًا.
وبعدين قال
أنا حاولت أحميك.
تحميني من إيه؟
من الحقيقة.
دخلت أم آدم، نادية، وهي سامعة آخر جملة.
حسام، كفاية.
حسام بص لها.
مش دلوقتي يا نادية.
لكنها قالت
لأ. دلوقتي.
قعدت جنب آدم، وقالت
أبوك عاش 12 سنة وهو شايل ذنب إنه ما قدرش ينقذ أخوه.
حسام غمض عينيه.
نادية كملت
عمك سامح كان اكتشف إن مراد متورط في تزوير تقارير، وإن فيه ناس بتستخدم اسم الشركة في شحنات مش قانونية. لما حاول يواجهه، حصلت الخناقة اللي انتهت بموته.
آدم همس
يعني مراد قتله؟
حسام فتح عينيه بسرعة.
ما تقولش الكلمة دي من غير دليل.
طب إيه اللي حصل؟
حسام سكت كتير.
وبعدين فتح درج مكتبه، وطلع ملف أحمر قديم.
حطه قدام ابنه.
ده اللي فضلت مخبيه عنك.
آدم فتحه.
جواه تقارير، صور، محاضر، وتحقيقات قديمة.
وفي آخر الملف، كان فيه تسجيل صوتي على أسطوانة صغيرة.
حسام قال
سامح سجل الكلام ده قبل موته بيوم.
شغّل التسجيل.
صوت رجل متوتر ظهر من السماعة
حسام، أنا اكتشفت إن مراد بيستخدم اسم الشركة في شحنات مش بتاعتنا. لو حصل لي حاجة، دور في المخزن القديم. هو عارف إن عندي نسخة من الأوراق.
وبعدها صوت تاني، بعيد، بيقول
إنت فاكر نفسك
ثم انقطع التسجيل.
آدم رفع عينيه.
ليه ما بلغتوش الشرطة؟
حسام رد بصوت مكسور
بلغت. لكن التسجيل الأصلي اختفى من المضبوطات، والتحقيق اتقفل لعدم كفاية الأدلة.
وإنت سكت؟
لأ. أنا فضلت أراقب مراد وأجمع دليل. لكن لما اكتشفت إنه لسه بيستخدم الشركة، خفت عليك. عشان كده كنت عايزك بعيد عن كل ده.
آدم بص للملف.
طب ليه ما قلتليش؟
حسام ابتسم بمرارة.
عشان إنت كنت طول عمرك شايف الفلوس لعبة. وأنا كنت خايف لو دخلت الشركة، تبقى نسخة من مراد.
الكلمة وجعت آدم أكتر من أي عقاب.
5. مراد يبدأ يلعب لعبته
تاني يوم، آدم رجع البلد.
كان عايز يعتذر لسلمى عن كل اللي حصل، لكنه لقاها واقفة قدام بيتها بتتكلم مع راجل غريب.
الراجل كان لابس بدلة، وفي إيده ملف.
أول ما شاف آدم، مشي.
سلمى بصت له بقلق.
ده كان مين؟
محامي من القاهرة. جاي يقول إن الأرض دي لازم تتباع.
آدم اتصدم.
تتباع لمين؟
لشركة الشناوي.
سلمى طلعت ورقة من الملف.
بيقول إن فيه عقد قديم، وإن الأرض داخلة في مشروع استصلاح تابع للشركة.
آدم مسك الورقة.
التوقيع كان باسم عم رجب.
لكن عم رجب ما كانش بيقدر يكتب من سنين.
الورقة دي مزورة.
سلمى بصت له.
إنت متأكد؟
أيوه. أبويا عنده نماذج من توقيعات موظفين الشركة.
آدم اتصل بأبوه.
بابا، مراد بيحاول ياخد أرض عم رجب.
حسام رد بعد ثواني
ما تمضوش على أي حاجة. أنا جاي.
لكن قبل ما يوصل، حصلت كارثة.
بالليل، مخزن عم رجب ولع.
النار أكلت الخشب، والأدوات، والصناديق القديمة.
ولحسن الحظ، سلمى كانت بره البيت، وآدم كان معاها.
لكن لما وصلوا، كان كل شيء بيتحرق.
عم رجب حاول يقوم من سريره، وصرخ
الصندوق!
سلمى جريت ناحية المخزن.
آدم مسكها.
لأ! خطر!
لكنها كانت بتبكي.
فيه كل حاجة تخص أبويا!
اتصل آدم بالمطافي، وجري يجيب خرطوم الميه من الجيران.
وبعد وقت طويل، قدروا يسيطروا على الحريق.
المخزن اتحول لرماد.
لكن وسط الرماد، لقى آدم قطعة حديد صغيرة.
كانت جزءًا من قفل الصندوق القديم.
وعلى الأرض، جنب الباب، كانت فيه آثار جزمة
آدم بص لسلمى.
اللي عمل كده كان عايز يمسح الدليل.
سلمى ردت
بس هو ما يعرفش إننا صورنا الأوراق قبل ما الحريق يحصل.
آدم رفع عينيه.
إنتِ صورتيها؟
أيوه. وبعت نسخة لواحد صاحبي في الجامعة، عشان يحفظها عنده.
آدم ابتسم