طلب مني زوجي حكايات بسمة

لمحة نيوز


استدرت.
كان واقفًا عند باب الغرفة.
وجهه شاحب.
وعيناه مثبتتان على الصندوق.
قلت
وجدته في درج ملابسي.
لم يجب.
اقترب ببطء.
ثم قال
أعطيني الصندوق.
ضممته إلى صدري.
لماذا؟
ظل صامتًا.
وفجأة سمعنا صوت آدم من الغرفة الأخرى
لا تعطيه له يا خالتي! أبي قال إن هذا الصندوق هو الدليل الوحيد الذي يثبت أن خالي كذب!
نظر حسام إلى الطفل.
ثم إليّ.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن قصة الامتحانات لم تكن سوى ذريعة.
لكنني لم أكن مستعدة لما حدث بعد ذلك.
لأن حسام مد يده نحو الصندوق وقال
افتحيه إن كنتِ تريدين معرفة الحقيقة.
فتحت القفل.
ورفعت الغطاء ببطء.
كان بداخله هاتف قديم، ومجموعة من الأوراق، وصورة لي أنا وحسام يوم زواجنا.
لكن الصورة كانت تحمل تاريخًا يعود إلى ثلاثة أشهر قبل زواجنا.
وتحتها ورقة واحدة كتب عليها بخط يد رجل لم أعرفه
إذا وصل هذا الصندوق إلى زوجة حسام، فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا وعليها أن تعرف الحقيقة قبل أن تثق في أي شخص.
رفعت عيني نحو حسام.
كان يبكي.
وسألته
من كتب هذه الرسالة؟
لم يجب.
لكن آدم قال من خلفي
أبي.
وفي تلك اللحظة، فهمت أن السر الذي أخفاه زوجي عني لم يبدأ بعد زواجنا
بل بدأ قبل أن ألتقي به أصلًا.
استدار حسام بجسده كليًا نحو النافذة المغلقة، وكأن الهواء في الغرفة صار أثقل من قدرته على التنفس. كان صوته يرتجف حين قال بلهجة اختنقت بالدموع
الرسالة كتبها طارق... زوج سارة... ووالد آدم.
سكنت الغرفة تمامًا. لم يكن صوت يقطع هذا الذهول سوى أنفاس الصغير آدم وهو يختبئ خلف ثوبي، متمسكًا بي وكأنني الملاذ الأخير له في منزل بات يعج بالأشباح والأسرار.
رفعت الأوراق بيدين ترتعدان، وبدأت أقرأ الرقعة المكتوبة بخط يد طارق، تلك التي انتُزعت من كراسة قديمة وكتبت بحبر أسود متداخل، يدل على عجلة وخوف شديدين
إن كنتِ تقرئين هذه السطور يا زوجة حسام، فهذا يعني أنني قد غبتُ عن المشهد تمامًا، إما خلف قضبان سجنٍ لفّقوه لي، أو تحت التراب بعيدًا عن ابني. اعلمي أن الرجل الذي تشاركينه

فراشك ليس سوى واجهة لشبكة معقدة من التزوير والنصب، وأن زواجك منه لم يكن محض مصادفة أو حب عاثر، بل كان خطة مدبرة جرى ترتيبها في أروقة مكاتب عائلته قبل أن تلتقي به بثلاثة أشهر كاملة.
 
تجمّد الدم في عروقي. نظرت إلى حسام، فجلس على طرف السرير ووضَع وجهه بين يديه دون أن ينطق ببنت شفة. أكملت القراءة والشرر يتطاير من بين سطور الورقة
أنا وطارق وحسام وسارة كنا شركاء في شركة للاستيراد والتصدير أسسها والدي قبل وفاته. وعندما بدأت الشركة تحقق أرباحًا طائلة، بدأ طمع سارة وحسام يلتهم كل شيء. واكتشفتُ بالصدفة أن حسام ينشئ شركات وهمية ويحول أرباح التركة لحسابات مغلقة. ولما واجهته وتوعدتُ باللجوء للنيابة العامة، هددني بزوجتي وابني. لكن المخرج الوحيد بالنسبة له لتبرئة نفسه أمام الضرائب والمستثمرين، كان البحث عن زوجة تنتمي لعائلة ذات نفوذ وثقة مالية، واستغلال اسمها دون
علمها لتمرير التحويلات الفاسدة باسمها. وقع الاختيار عليكِ لأن والدك كان رجل أعمال مرموقًا وله ثقة مطلقة بين البنوك. زواج حسام منكِ كان الصك القانوني الوحيد الذي غطى به الاختلاسات الطائلة، والصورة المرفقة بهذا الصندوق توضح تاريخ صدور التوكيل العام والشركات التي سجلت باسمكِ قبل أن تخرجي من منزل والدكِ حتى!
 
ألقيت الأوراق على الأرض، وجسدي كله ينتفض من هول الصدمة والشماتة التي أكلت قلبي.
زواجي منك كان خطة مسبقة؟ كنتُ مجرد غطاء قانوني لتمرير أموال مشبوهة وعمليات تزوير؟!
صرختُ فيه بكل ما أوتيت من قوة.
رفع حسام رأسه، وكانت عيناه محمرتين كالجمر
والله أحببتكِ بعد الزواج! والله لم أكن أريد أن آخذكِ بذنبهم! سارة هي التي ضغطت عليّ، سارة هي التي فكرت في كل شيء! كانت هي العقل المدبر لكل ورقة كُتبت، ولكل محاولة لتصفية حسابات طارق!
في تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الشقة الخارجي بقوة وسرعة.
سمعنا وقع خطوات حادة وسريعة تأتي من الطرقة، حتى ظهرت سارة عند عتبة غرفة النوم. لم تكن تبدو كالمرأة المتوترة التي
تركت ابنها في الصباح؛ بل كانت ترتدي معطفًا أسود، وعيناها تلمعان بغضب وسعر شيطاني.
تطلعت سارة إلى الصندوق المفتوح على الأرض، ثم إلى الأوراق، وابتسمت ابتسامة باردة جعلت القشعريرة تسري في عظامي.
وقالت بصوت منخفض وممتلئ بالحقد
خطة ذكية من طارق... لم يجد مكانًا يؤمن فيه سرقة التقرير سوى غرفة نوم زوجتك الغافلة يا حسام!
اقتربت سارة خطوات نحو الصندوق، لكنني وقفت فورًا أمامها، وجذبت آدم خلف ظهري
إياكِ أن تقتربي خطوة واحدة يا سارة! إياكِ!
ضحكت سارة بسخرية وقالت وهي تنظر إليّ بازدراء
هل تظنين نفسكِ بطلة في رواية؟ أنتِ لا تفهمين شيئًا! هذا الصندوق يحوي رقابنا جميعًا، وإن وصل هذا الورق للشرطة، فسيدخل حسام وأنا السجن، وسوف تُسحب منكِ كافة أملاككِ وحساباتكِ البنكية لأن اسمكِ مدون على رأس التوكيلات المزورة كشريكة رئيسية في النصب!
نظرتُ إلى حسام المنهار على السرير وقلت
أين طارق يا سارة؟ أين والد هذا الطفل المسكين؟!
سكتت سارة لحظة، ثم قالت ببرود
طارق مقبوض عليه منذ أسبوع في قضية اختلاس وتزوير أوراق رسمية، تم ترتيبها بعناية ليكون هو الكبش الوحيد الذي يتحمل خطأ التركة. وكان المحامي يبحث عن هذا الصندوق تحديدًا لأن طارق ادعى أمام النيابة أنه ترك الأدلة في مكان لا يمكن الوصول إليه. أسبوع كامل وأنا أفتش منزلنا ومكتبه دون فائدة، حتى تذكرت أن طارق جاء لزيارتكِ هنا قبل اختفائه بيوم واحد بحجة تقديم التهاني بمناسبة انتقالكما للشقة الجديدة!
هنا تدخّل الطفل آدم بصوت باكي مكسور، من بين دموعه التي لم تتوقف
أبي ليس حراميًا! أبي قال لي إنه خبأ الصندوق في غرفة خالتي لأنها الوحيدة التي لم تشترك معهم في الكذب، وقال لي إن حان الوقت، يجب أن أعطي المفتاح لخالتي!
أخرج آدم من جيبه الصغير مفتاحًا فضيًا صغيرًا مربوطًا بخيط أسود، كان يخفيه تحت بطانة حقيبته المدرسية!
هاجت سارة وهجمت نحو الطفل وهي تصرخ
هات المفتاح يا آدم! هات الصندوق!
لكنني دفعتها بكل قوتي لترتد إلى الخلف وتصطدم بحافة
الخزانة. أخذت المفتاح من آدم بسرعة، وقمت بفتح القفل الثاني السفلي الصغير المدمج في الصندوق الخشبي والذي لم ينتبه له حسام!
انفتح قاع الصندوق السري، ليخرج منه شريط تسجيلي صغير، ومجموعة إيصالات أمانة موثقة ومختومة من قبل البنك المركزي تحمل توقيع سارة وحسام شخصيًا، مع اعتراف بخط اليد يتضمن تحويل المبالغ لحساباتهما الشخصية وتبرئة طارق كليًا، مع التخطيط لاستغلال اسمي دون علمي!
صرخت سارة كالمجنونة وهجمت عليّ تحاول إمساك الأوراق، بينما كان حسام يقف عاجزًا بين اختياره لحماية أخته أو التكفير عن ذنبه تجاهي.
لكنني كنت أسرع منها.
سحبت هاتفي المحمول الذي كان على الطاولة، وكنت قد فعلت خاصية البث المباشر والتسجيل الصوتي منذ أن بدأت سارة بالاعتراف ببرودها عند باب الغرفة، وكان أخويا المحامي في الطرف الآخر يستمع لكل كلمة عبر مكالمة طوارئ قمت بإجرائها دون أن يشعروا!
البوليس في طريقه إلى هنا يا سارة... والمكالمة والتسجيل وصلا بالفعل إلى وكيل النيابة المتابع لقضية طارق!
انهارت سارة على الأرض وهي تصرخ وتكيل الشتائم لحسام ولأخيها، بينما جلس حسام يترجاني أن أسامحه.
خلال أقل من نصف ساعة، كانت سيارات الشرطة تحاصر البناية. تم إعتقال سارة وحسام على ذمة التحقيق بتهم التزوير، والإكراه، والافتراء الجنائي، والابتزاز المالي.
أما أنا، فقد أخذت آدم في حضني وذهبت مباشرة مع أخي إلى النيابة العامة. قدمنا الصندوق السري والشريط التسجيلي والإيصالات الرسمية. وفي غضون أيام قليلة، تم الإفراج عن طارق وتبرئة ساحته بالكامل، وشهد أمام القضاء بأني لم أكن أعلم شيئًا عن مخطط حسام وسارة، مما نجاني من الفخ القانوني الذي نصبوه لي.
حصلتُ على طلاقي الرسمي من حسام بحكم قضائي بات، واسترددت حريتي وكرامتي.
واليوم... بعد مرور عام كامل على تلك الليلة المظلمة، يجلس آدم في حديقة منزلي يلعب مع والده طارق الذي استعاد شركته وحياته، بينما أقف أنا عند النافذة، أحمد الله أن جعل طفلاً صغيرًا سببًا في نكاتفي
من عالم بني على الكذب والتزوير، لأبدأ حياة جديدة عنوانها الصدق والكرامة.
تمت

 

تم نسخ الرابط