بنتي الصغيرة

لمحة نيوز

بعيد عننا وهي أصلاً مكسورة؟!
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح.
نور كانت واقفة ورا الباب، وشكلها كان كفيل يخلّي الحجر يبكي.
كانت سامعة كل حاجة.
بصت لأبوها وقالت بصوت متقطع
بابا أنا مش هزعجك تاني والله.
عصام بص لها، ولثواني وشه اتغير، لكن قلبه كان لسه مليان غضب.
قال
روحي نامي.
نور قربت منه خطوة.
هو يوسف زعلان مني؟
السؤال ده خلّى عصام يسكت.
كملت وهي بتعيط
أنا مكنتش عايزة أموتّه أنا كنت بزقه بس عشان هو زقني لو كنت أعرف إنه هيموت، كنت مسكت فيه بإيدي وسناني.
وبعدين قالت
لو وجودي بيفكرك بيوسف أنا ممكن أمشي.
جريت عليها وحضنتها، وانهارت في حضني.
لكن عصام لف وشه ومشي لأوضته.
تاني يوم الصبح، لقيته واقف عند الباب ومعاه شنطة صغيرة.
نور كانت قاعدة على السرير، مش بتتكلم.
قرب منها وقال
يلا.
البنت قامت من غير اعتراض.
مسكت إيده للحظة، لكنه سحب إيده منها.
خرجت وراهم وأنا بعيط
عصام، بالله عليك متعملش كده.
ركب العربية، ونور ركبت جنبه في الخلف.
وأنا ركبت قدام.
طول الطريق محدش اتكلم.
لحد ما العربية وقفت قدام مبنى كبير.
نور بصت من الشباك وقالت
إحنا جينا فين يا بابا؟
عصام ما ردش.
نزل، وفتح الباب الخلفي، ومد إيده لها.
نور نزلت، وبعدها بصت للمبنى، ثم رفعت عينيها لأبوها.
هو أنا هعيش هنا؟
قال
أيوه.
سكتت لحظة، وبعدين سألت
وأنت هتيجي تزورني؟
عصام اتجمد.
نور ابتسمت ابتسامة مكسورة
حتى لو مرة في الشهر؟
ما ردش.
فقالت
خلاص مش مشكلة.
ومدت إيدها في شنطتها وأخرجت لعبة صغيرة قديمة.
كانت لعبة يوسف المفضلة.
قالت
دي كانت بتاعته خليتها معايا عشان أحس إنه لسه معايا. بس أنا هسيبها هنا يمكن لما تيجي تزورني، تفتكرني.
عصام مد إيده وأخذ اللعبة.
ولأول مرة، دمعة نزلت من عينه.
نور دخلت المبنى.
وأنا فضلت واقفة جنبه، مستنية اللحظة اللي قلبه يلين فيها.
لكن قبل ما نركب العربية، تليفونه رن.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
رد
ألو؟
وسكت.
ثم قال
إيه؟! إنت متأكد؟
بصيت له بخوف.
قفل المكالمة، وفضل واقف مكانه كأنه فقد القدرة على الكلام.
سألته
مين؟ وإيه اللي حصل؟
بصلي، وقال بصوت مبحوح
المكالمة كانت من المستشفى اللي استقبل يوسف يوم الحادث.
قلبي وقف.
يعني إيه؟
قال
قالوا إنهم اكتشفوا حاجة في تقرير الحادث حاجة محدش كان واخد باله منها.
حاجة إيه؟
بص ناحية باب المبنى اللي دخلت منه نور، وقال
قالوا إن يوسف ما ماتش بسبب الوقعة لوحدها.
اتجمدت.
قصدك إيه يا عصام؟
قال
في إصابة كانت موجودة قبل سقوطه من الشباك.
وبصلي بنظرة مرعبة
والإصابة دي حد تاني هو اللي عملها.
في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة كنا فاكرينها حقيقة كانت مجرد كذبة كبيرة.
وإن نور يمكن تكون بريئة أكتر مما كنا نتخيل.
لكن السؤال الأخطر كان
مين لمس يوسف قبل ما يقع من الشباك؟
رجعنا المستشفى وإحنا مش قادرين نستوعب الكلام.
الدكتور فتح التقرير وقال
يوسف كان عنده إصابة قوية في مؤخرة الرأس، والإصابة دي حصلت قبل السقوط بفترة قصيرة. السقوط من الشباك تسبب في وفاته، لكن الإصابة الأولى كانت موجودة قبلها.
بصيت لعصام، ولقيته شاحب.
يعني إيه؟
الدكتور رد
يعني لازم نعرف إيه اللي حصل قبل ما الطفل يقع.
عصام فجأة افتكر حاجة.
قال بصوت مرتعش
الكاميرا.
بصيت له
كاميرا إيه؟
كاميرا العمارة أنا كنت مركب كاميرا قدام باب الشقة من فترة.
رجعنا البيت بسرعة، وراجعنا التسجيل.
ظهر يوسف ونور وهما بيلعبوا.
كان يوسف بيجري، ونور وراه.
وبعد لحظات، حصلت الخناقة.
يوسف زق نور، ونور زقته.
لكن قبل ما يوسف يوصل للشباك بثواني، ظهر شيء لم ننتبه له يوم الحادث.
كرة صغيرة كانت على الأرض.
يوسف داس عليها، وقع للخلف وخبط رأسه في حافة الكنبة.
اتلخبط ووقف وهو شبه فاقد توازنه.
نور قربت منه، وزقته زقة خفيفة جدًا وهي فاكرة إنه لسه بيهزر.
في اللحظة دي فقد توازنه ووقع من الشباك.
الدكتور كان صح.
الإصابة كانت من الخبطة، لكن نور لم تكن تعرف أنه فقد توازنه بسببها.
عصام فضل ساكت.
وبعدين حط إيده على وشه وانهار في البكاء.
أنا ظلمتها أنا دمرت بنتي بإيدي.
جرينا فورًا على دار الرعاية.
نور كانت قاعدة لوحدها في ركن صغير، وحاضنة لعبة يوسف.
أول ما شافت أبوها، قامت بخوف.
عصام نزل على ركبته قدامها.
نور رجعت خطوة للخلف.
قال وهو بيبكي
نور سامحيني.
البنت ما ردتش.
قال
أنا كنت أعمى من الحزن وصدقت إنك قتلتي أخوكي.
سألته بصوت ضعيف
يعني مش هتسيبني؟
عصام انفجر في العياط وحضنها.
عمري ما هسيبك تاني إنتِ كمان بنتي، وإنتِ مش مذنبة.
نور فضلت ساكتة ثواني، وبعدين حطت إيديها حوالين رقبته.
وقالت
أنا كنت خايفة إنك مبقتش بابا بتاعي.
الجملة دي كانت كفيلة تكسر قلبه تمامًا.
رجعنا البيت، لكن مفيش حاجة رجعت زي الأول.
يوسف غاب عن البيت، لكن ذكراه فضلت في كل ركن.
وعصام بدأ يطلب مساعدة نفسية له ولنور، لأنه فهم أخيرًا إن الحزن لو اتحول لكراهية ممكن يدمر الإنسان اللي لسه موجود.
وبعد شهور، في يوم عيد ميلاد نور، عصام جاب لها هدية صغيرة.
قال لها
دي من باباكي ومن أخوكي يوسف.
فتحتها، لقت صورة قديمة ليهم هما الاتنين، وتحتها جملة مكتوبة
إخوات في الدنيا وهنفضل إخوات في القلب مهما حصل.
نور حضنته.
ومن يومها، كل ما كانوا يفتكروا يوسف، كانوا يعيطوا لكن من غير ما يلوموا نور.
لأنهم فهموا أخيرًا إن الحادث كان مأساة، وليس جريمة.
وإن الطفل اللي مات ما كانش محتاج أب ينتقم له من أخته
كان محتاج أب يحافظ على أخته الباقية.
النهاية.

تم نسخ الرابط