ذهبت لعيد ميلاد ابني
أنه ينام داخل سيارة؟
اتسعت عيناها.
ماذا؟
قلت
إحدى عشرة ليلة.
ولأول مرة بدا عليها الذهول الحقيقي.
قالت
لا.
قلت
مع علي وحسن.
وضعت يدها على فمها.
زهراء قالت لي إنه يقيم في فندق.
قلت
إذن كذبت عليك.
قالت
لم أكن أريد أن يصل الأمر إلى هذا.
قلت
وما الذي كنت تريدينه؟
قالت
أن يتنازل.
قلت
عن البراءة؟
نعم.
قلت
مقابل أكثر من ثمانية مليارات دينار؟
لم تجب.
قلت
وبعدها؟
قالت
كان كل شيء سيتوزع.
بين من؟
قالت
العائلة.
ضحكت.
رفعت رأسها.
ما المضحك؟
قلت
الغريب أن العائلة لم تظهر عندما كان ابنك يحتاج إلى سرير ينام عليه.
بدأت نوال تبكي.
وقالت
أبو سيف...
قلت
لا.
اسمعني.
قلت
أنا أسمعك منذ ستة وثلاثين عامًا.
نزعت خاتم الزواج من إصبعي.
ووضعته فوق الحافظة الزرقاء.
قلت
الآن أنت من سيستمع.
بقيت بلا حركة.
قلت
حيدر بدأ بالفعل إجراءات قانونية لمراجعة العمليات.
شحُب وجهها.
وقالت
حيدر السامرائي؟
قلت
نعم.
كانت تعرف الاسم.
والخوف الذي ظهر في عينيها أكد لي ذلك.
قالت
لا يمكنك فعل هذا.
قلت
فعلته بالفعل.
قالت
ستدمرنا.
قلت
لا.
ثم نظرت إليها مباشرة.
أنت بدأتِ تدميرنا عندما حولتِ ابننا إلى صفقة.
مرّت أشهر قبل أن تبدأ المحاكم بإلغاء بعض العمليات وإعادة النظر في بعضها.
لم يكن الأمر سريعًا.
الأشياء
استعاد سيف السيطرة على شركته بعد أن أثبت أن عددًا من الوكالات والصلاحيات استُخدم خارج الحدود التي وافق عليها.
أما قضية المنزل فاستغرقت وقتًا أطول.
وفي النهاية، قرر سيف ألا يعود إليه أصلًا.
قال
لا أريد أن يعود الطفلان إلى بيت أُخرجا منه وكأنهما لا يساويان شيئًا.
استأجر منزلًا آخر.
أصغر.
وأبسط بكثير.
لكن التوأمين أحبّاه.
أما الشركة فنجت.
وبراءة الاختراع بقيت كذلك.
رفض سيف عرض شراء آخر بعد مدة.
وهذه المرة كان يبتسم عندما أخبرني.
سألته
متأكد؟
قال
نعم.
حتى لو كان المبلغ ضخمًا؟
ضحك.
أبي...
ثم قال
بعد أن نمت داخل سيارة، فهمت أن امتلاك مليارات على الورق لا يعني شيئًا إن لم يكن لديك مكان تضع فيه طفليك ليناما بأمان.
واجهت زهراء عواقب قانونية، وفقدت السيطرة على عدد من الأصول.
أما ترتيبات حضانة الطفلين فكانت معقدة.
ومع ذلك، لم يحاول سيف أبدًا أن يمنع طفليه من أمهما تمامًا.
قال لي
هما لا ذنب لهما.
أما أنا ونوال، فانتهى زواجنا بالطلاق.
ستة وثلاثون عامًا.
ولا أقول إنها كانت سنوات ضائعة.
لو قلت ذلك فسأكون أكذب على نفسي.
كانت هناك لحظات حقيقية.
وكان هناك حب.
وكانت هناك عائلة.
لكنني تعلمت شيئًا لن أكرره أبدًا
لا تخلط بين طول السنوات التي عشتها
بعد عام من عيد ميلاد سيف، عدت إلى بغداد.
وهذه المرة لم أحمل ساعة غالية.
حملت كعكة فقط.
عندما وصلت، فتح علي الباب.
صرخ
جدي!
ظهر حسن خلفه.
ثم خرج سيف من المطبخ.
وكان على قميصه بعض الطحين.
قال
وصلت مبكرًا.
قلت
أردت أن أفاجئك.
ضحك.
وقال
ليس مرة أخرى.
دخلت.
كانت الرسومات معلقة على الجدران.
والألعاب مبعثرة في أرجاء البيت.
ودراجة صغيرة موضوعة قرب الأريكة.
لم يكن المنزل مما يثير حسد أحد.
ولم يكن يصلح لصورة في مجلة فاخرة.
ولم يكن مليئًا بالأثاث الغالي.
لكن حفيديّ كانا ينامان في سريريهما.
وابني كان يبتسم.
ناولته علبة.
قال
ما هذا؟
قلت
ساعة العام الماضي.
فتحها.
ونظر إليها.
ثم هز رأسه.
لا أحتاجها.
قلت
لا؟
رفع معصمه.
كان يرتدي ساعة بلاستيكية رخيصة.
وقال
علي هو من أهداها لي.
ومن آخر الممر، صاح حفيدي
اشتريتها بأحد عشر ألف دينار!
ضحك سيف.
وقال
وتعمل بشكل ممتاز.
أغلقت علبة الساعة الغالية.
وقلت
إذن سأعطيها لشخص آخر.
قال
افعل.
ساد الصمت بيننا للحظات.
ثم قال سيف
أبي.
قلت
نعم؟
قال
شكرًا لأنك طرقت الزجاج.
نظرت إليه.
ماذا؟
قال
في تلك الليلة.
ثم خفض صوته.
لا أعرف كم ليلة أخرى كنت سأبقى أنام في السيارة من دون أن أخبر أحدًا.
شعرت بعقدة
قلت
وأنا كان يجب أن أتصل بك أكثر.
قال
لا.
قلت
نعم.
قال
أنا كنت أكذب عليك في كل مرة تسألني فيها هل كل شيء بخير؟
وكان محقًا.
قلت
إذن نتفق على شيء.
قال
ما هو؟
قلت
لا نقول بعد اليوم كل شيء بخير عندما لا يكون كل شيء بخير.
ابتسم سيف.
اتفقنا.
بدأ الطفلان يغنيان أغنية عيد الميلاد قبل موعدها.
جلسنا جميعًا حول الطاولة.
ونظرت إلى ابني.
قبل عام واحد، كنت أعتقد أنه يعيش حياة مثالية.
منزل.
شركة.
زواج.
مال.
وبينما كنت أنظر من بعيد إلى الواجهة وأعجب بها، كان هو ينام مع طفليه داخل سيارة، لأن شخصًا من عائلتنا كان يسلب منه كل شيء بهدوء.
المنزل.
السيطرة.
الثقة.
الكرامة.
لكنهم لم يتمكنوا من أخذ أهم ما بقي له.
طفلاه.
قدرته على البدء من جديد.
وقدرتُه على قول الحقيقة.
أفكر أحيانًا في تلك الليلة.
في علبة الكعكة فوق ساقي.
في حسن وهو نائم تحت البطانية.
وفي سيف وهو يقول لي
كنت أشعر بالخجل يا أبي.
ولا تزال تلك الكلمات تؤلمني.
لأن أي ابن لا ينبغي أن يشعر بالخجل من الاتصال بوالده عندما يجد نفسه يغرق.
هذا هو الدرس الذي بقي معنا.
قد يستطيع الناس أن يأخذوا منك المال.
وقد يخدعونك بالمستندات.
وقد يغيرون أقفال بيتك.
وقد يحولون توقيعًا واحدًا إلى فخ.
لكن الصمت أحيانًا يُكمل ما
في تلك الليلة، لم أكن أنا من أنقذ ابني.
كل ما فعلته أنني طرقت زجاج السيارة.
هو من فتح الباب.
وأحيانًا، هذا وحده يكفي حتى يتوقف الإنسان عن النجاة مختبئًا...
ويبدأ أخيرًا طريق العودة إلى البيت.