ذهبت لعيد ميلاد ابني
شعرت ببرودة قاسية تجتاح جسدي.
زوجتي.
نوال.
المرأة التي عشت معها ستة وثلاثين عامًا من الزواج.
أم سيف.
قلت وأنا لا أزال أحدق في الورقة
ما علاقة أمك بهذا؟
أغلق سيف عينيه.
كل شيء.
عدت أنظر إلى التوقيع.
لم يعد بإمكاني أن أتظاهر بأنني لا أعرف الاسم.
نوال الكرخي.
كانت زوجتي موقعة على اتفاق ينقل جزءًا من حصص شركة ابننا إلى شركة أخرى تقع تحت سيطرة زهراء.
شعرت بضغط شديد داخل صدري.
قلت
قد يكون هذا مزورًا.
ضحك سيف بمرارة.
هذا ما ظننته في البداية.
قلت بسرعة
أمك لا يمكن أن تفعل شيئًا كهذا.
أبي...
أنت تعرفها.
ولهذا احتجت إلى وقت طويل حتى أصدق.
أخرج ورقة أخرى.
ثم ورقة بعدها.
رسائل إلكترونية مطبوعة.
تحويلات مصرفية.
صورًا لمحادثات ورسائل.
كل شيء كان يحمل تواريخ واضحة.
بعضها يعود إلى ما يقارب سنة كاملة.
قال سيف
أمي كانت تتحدث مع زهراء منذ أشهر.
هززت رأسي رافضًا.
لا.
نعم.
لماذا؟
ضغط سيف على شفتيه.
لأنها كانت تعتقد أنني سأبيع الشركة.
قلت
وحتى لو كنت ستبيعها؟
قال
الشركة لديها شيء لم أخبرك عنه من قبل.
ثبتُّ نظري عليه.
ما هو؟
براءة اختراع.
براءة اختراع لأي شيء؟
قال
نظام لتحسين عمليات النقل والخدمات اللوجستية، عملنا على تطويره طوال أربع سنوات.
كان ابني يعمل منذ سنوات في مجال التقنية المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية.
وكنت دائمًا
لم أكن أعرف أكثر من ذلك.
واصل سيف
قبل ثمانية أشهر، قدمت شركة أمريكية عرضًا لشراء حصة من الشركة.
سألته
بكم؟
قال
بما يعادل نحو اثني عشر مليار دينار عراقي.
بقيت ساكنًا.
وهل وافقت؟
لا.
لماذا؟
قال
لأنها كانت تستحق أكثر.
ثم أخذ نفسًا وأضاف
ولأنني كنت أريد الاحتفاظ بالسيطرة عليها.
عندها فهمت.
قلت
أمك عرفت بالأمر.
هز رأسه.
نعم، لكنني لا أعرف كيف.
أما أنا، فكنت أستطيع أن أتخيل.
نوال كانت دائمًا تعرف تفاصيل كثيرة.
لم تكن تملك صلاحيات رسمية داخل شركة سيف.
لكن ابني كان يثق بها.
وأنا أيضًا كنت أثق بها.
قلت
ماذا فعلت؟
قال
بدأت تقول إنني أضيّع فرصة العائلة.
تذكرت فورًا.
قبل عدة أشهر، كنا نجلس على العشاء عندما قالت نوال
يجب على سيف أن يبيع قبل أن تتغير الظروف ويخسر كل شيء. الشباب يظنون أن الشركات تدوم إلى الأبد.
وقتها لم أعطِ كلامها أهمية.
واصل سيف
بعد ذلك بدأت تجتمع مع زهراء.
قلت
لماذا؟
حتى تقنعها بأنني أعرّض ممتلكات الطفلين ومستقبلهما للخطر.
وزهراء صدقتها؟
ابتسم ابتسامة خالية من الفرح.
لم تكتفِ بتصديقها.
ثم قال
دخلتا معًا في اتفاق.
شعرت بحرارة تصعد إلى وجهي.
أمك دخلت مع زوجتك في اتفاق حتى تأخذ منك الشركة؟
قال
جزءًا منها.
والمنزل؟
أيضًا.
قلت
لماذا؟
نظر سيف إليّ
لأن أمي وضعت مالًا في الشركة.
عقدت حاجبي.
أي مال؟
أخرج ابني كشف حساب أخيرًا من الحافظة الزرقاء.
وقال
مال من حساباتكما أنت وهي.
شعرت وكأن العالم توقف حولي.
من حساباتنا؟
من حساب كان باسمك.
قلت
هذا مستحيل.
قال
أبي، هل تتذكر الحصة التي بعتها قبل أربع سنوات من شركة النقل التي كنت شريكًا فيها؟
بالطبع كنت أتذكر.
كنت قد بعت جزءًا من استثماري في شركة نقل.
وقالت لي نوال يومها إن الأفضل أن ننقل جزءًا من المال إلى استثمارات مختلفة.
وثقت بها.
قلت
كان المبلغ حوالي مليار وثمانمائة مليون دينار.
نعم.
وما علاقته بما يحدث؟
خفض سيف عينيه.
قرابة سبعمائة وستين مليون دينار انتهت داخل شركتي.
شعرت بصدمة في معدتي.
كيف؟
عبر شركة وسيطة.
قلت
أنا لم أستثمر سبعمائة وستين مليون دينار في شركتك.
قال
وأنا لم أكن أعرف أصلًا أنها أموالك.
ومن كنت تعتقد أن المال يعود له؟
قال
أمي أخبرتني أنه يخص مجموعة مستثمرين من القطاع الخاص.
سكتُّ للحظات.
ثم قلت
ولهذا تعتقد الآن أن لها حقًا في شركتك؟
قال
أظن ذلك.
قلت
تظن؟
قال
هناك شيء آخر.
بحث سيف داخل الحافظة الزرقاء.
ثم أخرج نسخة من عقد قديم.
كان اسمي مكتوبًا في الأعلى.
وفي الأسفل توقيع.
توقيعي.
حدقت فيه.
كان قريبًا جدًا من توقيعي.
قريبًا بدرجة مزعجة.
لكنني لم أتذكر يومًا أنني وقعت هذا المستند.
قلت
ما
قال
تفويض يسمح باستثمار جزء من أموالك في شركة تديرها أمي.
قلت فورًا
أنا لم أوقّع هذا.
نظر إليّ سيف طويلًا.
ثم قال
إذن الوضع أسوأ مما كنت أتصور.
بقيت لعدة ثوانٍ لا أقول شيئًا.
كان حفيداي يلعبان بشريط علبة الكعكة.
وكان حسن يحاول تثبيت شمعة مائلة فوقها.
عالمهما الصغير بقي كما هو، بينما عالمنا كان يتفكك أمام أعيننا.
قلت
هل تعتقد أن أمك زورت توقيعي؟
قال سيف
لا أستطيع إثبات ذلك حتى الآن.
لكنك تعتقد أنها فعلت.
هز رأسه.
نعم.
أخرجت هاتفي.
سأتصل بها الآن.
أمسك سيف بمعصمي.
لا.
قلت
أريد أن أسمع صوتها.
ليس الآن.
إنها زوجتي.
قال بصوت منكسر
وهي أمي.
توقفت.
ثم وضعت الهاتف جانبًا.
قلت
ماذا تحتاج الآن؟
أجاب من دون تردد
محاميًا لا تعرفه أمي.
قلت
أعرف واحدًا.
تثق به؟
منذ ثلاثين عامًا.
هل تعرفه أمي؟
قلت
لا.
كانت نوال تعتقد دائمًا أن جميع أموري القانونية يديرها محامي العائلة.
لكنها لم تكن تعرف أنني، بعد خلاف تجاري وقع قبل عقود، احتفظت بعلاقة مهنية مع محامٍ آخر.
الأستاذ حيدر السامرائي.
اتصلت به في الليلة نفسها.
استقبلنا في مكتبه عند التاسعة مساءً.
وعندما رأى سيف يدخل مع الطفلين، لم يطرح أسئلة لا داعي لها.
طلب لهم طعامًا.
وأحضر بطانيتين.
وشغّل لهم رسومًا متحركة على شاشة جانبية.
ثم أخذنا إلى مكتب خاص.
ظل أربع ساعات يراجع المستندات.
وعند الواحدة بعد منتصف الليل، نزع نظارته ووضعها فوق المكتب.
وقال
أبو سيف، هذه ليست مجرد مشكلة زوجية.
شعرت بقشعريرة.
قلت
إذن ما هي؟
قال
على الأغلب نحن أمام مخطط لتحويل أموال والاستحواذ على حصص بشكل