جدتي

لمحة نيوز


ملوش ذنب!
طبطبت على شعري بإيدها المكمشة، ونهدت تنهيدة طالعة من قعر جبل، وقالتلي بصوت ثقيل
اسمعي يا ندى.. السن كبر العظم بس منساش القهرة. الراجل اللي قاعد في نص الصورة ده.. اسمه راضي العطّار. من سبعين سنة، كان صاحب أبويا في السوق. أبويا الله يرحمه كان طيب وعلى نياته، كتب لراضي ده توكيل عام يشتري بيه بضاعة من بورسعيد عشان يوسعوا التجارة سوا.. وكتب معاه ورقة المحل ودكان القماش اللي كنا بنعيش منه نحن وإخواتي البنات.
دمعة نزلت من عين تيته ومسحتها بسرعة راضي العطّار خاد التوكيل، وباع الدكان لنفسه، وزور أوراق بمديونية وهمية على أبويا! في ليلة وضواها، صحينا لقينا الشرطة وبتطردنا من بيتنا والدكان محجوز عليه. أبويا جاله شلل من الصدمة ومات بعد شهر مقهور. وراضي أخد فلوسنا، وفتح بيها أول محل عطارة كبيييير، والتجارة كبرت وكبرت والفلوس بقيت ملايين.. الفلوس اللي جوزك عايش فيها دلوقتي، وبنى بيها الشقة دي، أصلها دكان أبويا وقهرته!
أنا كنت بنكمش وأنا بتمتم يمكن.. يمكن يا تيته الجد هو اللي ظلم، بس معتز وأبوه ذنبهم إيه؟ دول يمكن ميعرفوش!
بصتلي تيته بعينين حدين زي الصقر وقالت لا يا بنتي.. الجد مات من ست سنين، بس قبل ما يموت بسنة، جاله المرض الخبيث. ودكاترة الدنيا معرفوش يعملوله حاجة. الراجل خاف من الموت، وطلب من المأذون والشهود يجمعوا الكبار، واستدعى معتز بالذات

لأنه كان أحب أحفاده ليه والمشرف على السجلات.. وأنا علمت إن راضي أدى لمعتز دفاتره القديمة واعترفله بالظلم وقاله يا معتز، أمانة في رقبتك ترجع الحقوق لأصحابها عشان ربنا يخفف عني! راضي أداه اسم عيلتنا وعناويننا!
شهقت وحطيت إيدي على بوقي ومعتز؟
تيته كملت بمرارة معتز خد الدفاتر.. ودفن الحقيقة! خاف الفلوس تنقص، خاف اسمه ووجاهته في السوق تتهز، وساب جده يموت بذنبه ورفض يرجع حظر واحد من حقنا! أصل عمك الحاج راضي مات ومحدش رجعلنا قرش. معتز اختار الفلوس والحرام على إن ينظف ثوب العيلة يا ندى! معتز عارف إن الفلوس دي حرام وستر على الظلم علشان يفضل غني ويجوزك في العز ده! انا عرفت من خدامتهم كانت صاحبتي الروح بالروح وحكتلي على وصية جدهم
خرجت من بيت تيته وأنا مش شايفة قدامي. الدنيا كانت بتلف بيا. كلامها كان منطقي ومترابط بشكل يرعب، مفيش فيه ذرة خرف.
رجعت الشقة.. البيت اللي كنت شايفاه جنه من أسبوع، بقيت شايفاه قبر متزوق بفلوس ناس مظلومين. وقفت قدام صورة الجد العطّار، وصرت أربط الأحداث.. افتكرت لما معتز كان بيدفع مصاريف الفرح الكبيرة بكاش من غير ما يرفله جفن، افتكرت لما سالته مرة عن جده وقفل الموضوع بسرعة ووشه اتغير وقالي الله يرحمه بقى، ماض وانتهى متسأليش فيه تاني.
الساعة جت 7 بالليل، وباب الشقة اتفتح. دخل معتز، شكل تعبان. رمى المفاتيح على الترابيزة وبصلي، شاف وشي
أصفر وعيني حمرا من العياط.
قرب مني بقلق ندى؟ مالك يا حبيبتي؟ في إيه؟ إنتي لسه زعلانة من تصرف تيتة إمبارح؟ أنا والله مسامح ومقدر سنها...
سحبته من إيده ووقفته قدام الصورة.
سألته بصوت واطي ومكسور معتز.. مين الراجل ده؟
تنهد وقال بضيق ده جدي الحاج راضي.. ما إنتي عارفة يا ندى، حكينا في ده قبل كده!
سألته تاني وأنا ببص في عينيه مباشرة جيدك ده.. مات مرتاح يا معتز؟ ولا سابلك أمانة ودفاتر قديمة تحت السرير وقالك رد الحقوق لأصحابها وإنت طنشت عشان تفتح المحل الجديد وتشتري الشقة دي؟
وش معتز اتخطف! اللون طار من وش بلمحة، شفايفه اتجمدت وجسمه اتشد كأنه اتكهرب. خطى خطوة لورا وصوته أتلعثم إيه.. إنتي.. إنتي بتقولي إيه؟ مين قالك الكلام الفاضي ده؟
تيته غالية! صرخت فيها والدموع نازلة من عيني زي المطر. تيته غالية اللي جَدَك شرد عيلتها وأخد دكان أبوها وماته مقهور! تيته اللي جدك اعترفلك بظلمه ليها قبل ما يموت بسنة وطلب منك ترجع حقها، وإنت طمعت! طمعت في الملايين وقلت الست كبرت ومش فاكرة حاجة ومحدش هيطالب بالحق!
معتز قعد على الكنبة وفرد إيديه على وشه. السكوت اللي خيم على الصالة كان هو الاعتراف الصريح! مأنكرش.. معرفش ينكر! ردة فعله وذهوله كشفوا كل حاجة.
بعد دقائق ثقيلة، رفع رأسه، وعينيه كانت مليانة دموع وندم بس مزيج من الخوف ندى.. أفهميني! أنا لما جدي حكالي قبل ما يموت، الفلوس
كانت خلاص اتخلطت ببعضها! الشركات والمحلات والعقارات كلها داخلة في بعض! لو كنت طلعت حق عيلة تيتتك وقتها، كان لازم نبيع نص أصول العيلة! أبوي وأعمامي كانوا هيتخرب بيتهم وهيطلعوا للشارع! أنا خفت.. خفت من الفضيحة وخفت الفقر يرجعنا تاني! قلت خلاص.. الزمن عدى عليه ستين سنة والست كبرت ومحتاجة إيه من الدنيا؟
بصيتله بقرف وعمري ما تخيلت إني أبص لجوزي بالبشاعة دي الست مش محتاجة حاجة من الدنيا.. بس أنت وجدك محتاجين كفن مفيش فيه جيوب يا معتز! إنت أكلتني حرام.. وبنيت بيتنا على سحت ورث ناس مظلومين!
وقفت وقلتله بصرامة وقوة معرفش جبتها منين أنا نازلة رايحة بيت أبويا. والشقة دي مش هدخلها تاني.. والبيت ده مش هيجمعي بيك ثانية واحدة، إلا في حالة واحدة بس.
وقف ورايا إيه هي يا ندى؟ والله أعمل أي حاجة بس متضيعيش حبنا!
لفيت وقولتله وأنا حاطة إيدي على مقبض الباب الدكان والورث والفلوس اللي اتسرقت من عيلة غالية ترجع بالجنيه والقرش.. تحسب قيمتها بسعر النهاردة، وتتنازلوا عنها ليها ولإخواتها وورثتهم، وتكتب إقرار باعتذار جدك. يا إما تتنازل عن الفلوس دي وتطهر نفسك.. يا إما طلاقنا يوصلني بكرة، وأنا مش هتشرف أكون مراد راجل راضي بالظلم عشان يفضل متدفي بفلوس حرام!
فتحت الباب وخرجت.. وسبته واقف في نص الصالة تحت صورة جده اللي بقت شاهدة على بداية النهاية، أو بداية الحق اللي لازم يرجع
لأصحابه لو بعد حين.

 

تم نسخ الرابط