رجع للمزرعة

لمحة نيوز


بس كان في عينيها وجع أعمق.
حاولت.
إمتى؟
كل سنة.
سكتت.
بس بعد أول سنة، فهمت إنك اخترت تصدقهم.
الكلمة وجعته أكتر من أي اتهام.
في اللحظة دي، ليلى خرجت من ورا أمها.
وقفت قدامه.
إنت صاحب العربية؟
سيف ابتسم رغمًا عنه.
أيوه.
عربية كبيرة أوي.
بتحبي العربيات؟
بحب الجرارات أكتر.
ضحك.
ولأول مرة من سنين، ضحك من قلبه.
سارة كانت بتراقبه في صمت.
ليلى قربت منه.
تعرف تزرع؟
كنت بعرف زمان.
طب تعال.
شدته من إيده.
ماما بتزرع أحسن منك.
سيف بص لسارة.
وهي، رغم إنها حاولت تمنع نفسها
ابتسمت.
لكن الابتسامة اختفت لما سيف قال
أنا مش هبيع الأرض.
سارة اتوترت.
إيه؟
قلت مش هبيعها.
سيف، أنا مش عايزة منك فلوس.
وأنا مش بتكلم عن فلوس.
بص على ليلى.
أنا عايز أعرف بنتي.
سارة هزت رأسها.
متعملش كده.
أعمل إيه؟
متدخلش حياتها أسبوعين وبعدين ترجع القاهرة وتختفي.
سيف سكت.
لأنها كانت محقة.
في نفس الليلة، دخل أوضة أبوه القديمة.
كان بيدور على أوراق الميراث.
فتح دولاب خشب قديم.
لقى صندوق حديد صغير.
كسره.
جواه كان فيه 3 جوابات.
كلهم مكتوب عليهم اسمه.
والخط
خط سارة.
فتح الأول.
سيف، أنا حامل. لو سمحت كلمني.
فتح الثاني.
أنا مش عايزة منك حاجة. بس عايزاك تعرف إنك هتبقى أب.
فتح الثالث.
إيده بدأت ترتعش.
ليلى اتولدت النهارده. عندها غمازتك.


سيف قعد على الأرض.
لكن الجواب الأخير ما كانش هو الصدمة.
تحت الجواب كان فيه ملف آخر.
فتح الملف.
وكان فيه طلب رسمي لإخراج سارة من أرض العيلة هي وبنتها، مقدم قبل 4 سنين.
والاسم اللي ماضي على الطلب كان
عمه حمدي المنشاوي.
لكن أسفل التوقيع كانت فيه ملاحظة بخط أبوه
نفّذوه قبل ما سيف يعرف الحقيقة.
سيف رفع رأسه ببطء.
لأول مرة فهم إن أبوه ما كانش بس مخبي عنه بنت.
كان مخبي عنه عيلة كاملة.
وفي الصبح
كان عمه حمدي واقف على باب المزرعة ومعاه محامي.
وقال لسيف
لازم تتصرف بسرعة يا ابن أخويا لأن الأرض دي أصلًا ما بقتش ملكك.
حكايات بسمة 
توقفت قطرات الوقت في صحن المزرعة، وساد صمتٌ حاد خنق الأنفاس. وقف سيف المنشاوي ببدلته الأنيقة، وعيناه الصلبتان تنظران بنفاد صبر نحو عمه حمدي المحاط بابتسامة المكر والمستشار القانوني الذي يحمل الحقيبة الجلدية الثقيلة.
قال عمه حمدي بنبرة جافة تفيض بالأطماع
يا سيف يا ابن أخويا... أبوه الله يرحمه كتبلي بيع وشراء تنازل رسمي عن الأرض والمزرعة دي من 3 سنين لسداد ديون كانت على الشركة القديمة، وأنت مالكش أي حق هنا، وطليقتك والبنت دي لازم يخلوا السكن والبيت فوراً!
سيف لم يرتبك ولم يصرخ.
أخرج من معطفه الملف الأسود الذي عثر عليه بالصندوق السري، ورمى أوراقه وتوقيعات أبيه المزورة
بصلابة وثبات قدام المحامي وعمه!
قال سيف بصوت حاد، بارد، وواثق هز أركان المزرعة بأكملها
تنازل رسمي يا عمي؟! ولا تزوير واستغلال لمرض أبويا في أيامه الأخيرة لما كان تحت أثر أدوية ألزهايمر والمخدرات الطبية؟! الورق اللي في إيدك ده مزور بختم موظف مرتشي في الشهر العقاري، والتقرير الطبي الموثق بيمحي أهليته القانونية في التاريخ ده بالذات!
المحامي الذي مع عمه شحب وجهه كالجثة، وتراجع خطوة للخلف وهو يقلب التقرير الطبي الموثق ورسمية التحريات!
أكمل سيف بصرامة وقار
أنت وأبويا تحالفتم زمان عشان تكسروا بيتي وتطردوا سارة وبنتي ليلى، وافتكرتم إن الفلوس والبعد ينسوني أهلي وأصلي! من الليلة دي، المزرعة والأرض رجعوا لي بالكامل بالقانون، وأمر الضبط والاستدعاء للنيابة العامة بتهم التزوير والاستيلاء على ملكية القاصرين صدر بحقك!
حمدي انهار على الأرض وسقطت أوراقه المزورة، وسط ذهول وفضيحة كاملة أمام عمال المزرعة الذين تجمعوا لرؤية نهاية الظلم.
لم الشمل وإشراقة المستقبل
في صبيحة اليوم التالي...
توقفت حركة السيارات أمام البيت القديم بالمنصورة.
أحضر سيف مهندسي التطوير وأكبر شركات المقاولات التابعة له، وبدأ في إعادة بناء وتجديد المزرعة والبيت والورشت بالكامل بأرقى طراز ريفي حديث.
مشى سيف نحو سارة وبنته الصغرى ليلى،
ونزل لمستوى طفلته التي كانت تمسك بيده بابتسامة دافئة.
نظرت سارة إليه بدموع محبوسة، وقالت بصوت هادئ
سيف... أنت هترجع القاهرة تاني و...
قاطعها سيف بابتسامة حنونة وصادقة أذابت عقود الجفاء والتعب، وأخرج من جيبه خاتم الزواج القديم الذي احتفظ به طوال 12 عاماً
أنا مش راجع القاهرة لوحدي يا سارة... الشركة والمصانع هتدور من هنا من أرض المنصورة، وبيتي مش هيفضل فاضي ثاني. أنا جيت عشان أردلك كرامتك، وأعوضك إنتِ وليلي عن كل نقطة عرق ودمعة نزلت منكم.
سلمت سارة يديها الدافئتين ليده، وانطلقت الضحكات الصافية للطفلة ليلى وهي تركب الجرار الزراعي الجديد برفقة والدها.
عادت الحياة والأمان لمزرعة عائلة المنشاوي، وأصبحت واحدة من أخصب وأجود المزارع المنتجة في المحافظة.
سجل سيف الأرض والبيت والأصول رسمياً مناصفة باسم زوجته سارة وابنتهما ليلى تأميناً لحياتهما وكرامتهما مدى الحياة.
أما عمه حمدي والمشتركون في التزوير... فقد قضوا سنواتهم خلف الأسوار، مكسورين ومطرودين بعد أن أثبتت الأيام أن الباطل لا يدوم وأن الظلم سكين تذبح صاحبها في النهاية.
عاشت العائلة في دفء، وحب، واستقرار تام تحت ظل المزرعة المورقة.
ورأس الجميع ظلت مرفوعة للسماء... اتعلم العالم أن الدم لا يصير ماءً، وأن النية الصافية، واليد الشريفة، والوقوف
الشجاع هما الثروة الحقيقية التي ينصر الله صاحبها ويجعل عاقبته خيراً للأبد.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط