عمي بيشتغل جزار

لمحة نيوز


​على صوت الخبطة ماما جريت مفزوعة: "يا لهوي! إيه اللي حصل يا بنتي؟ إنتي كويسة؟"
ولما اتأكدت إني سليمة، بصت للحمة اللي في الأرض ولطمت على صدرها: "يا نهار اسود، هنعمل إيه في عمك دلوقتي؟ نغسل اللحمة دي ونطبخها تاني ولا نعمل إيه؟"
​قولتلها بثقة بتاعة عيال: "نغسل إيه يا ماما دي باظت خلاص، متشيليش هم، أنا هصبله من اللحم الاسكتلندي بتاعنا في طبق لوحده ومستحيل يلاحظ الفرق."
ماما خافت وقالتلي: "يا بنتي لا، لاحسن معدته تتعبه زي ما قالك."
ضحكت وقولتلها: "يا ماما متخافيش، على ضمانتي! هو بيتعب بس عشان هو 'معتقد' إن اللحم المستورد بيتعب، ده مجرد وهم نفسي.. لو أكل وهو ميعرفش، والله ما هيحس بحاجة ولا معدته هتوجعه."
​وفعلا، العيلة كلها اتجمعت، السفرة اتفرشت، والكل قعد يهزر ويضحك. صبينا الأكل للكل، وحطيت قدام عمي طبق مليان لحمة من بتاعتنا. وهو بيمسك المعلقة، شدني من دراعي وهمس في ودني: "دي اللحمة البلدي اللي جبتهالك؟"
بلعت ريقي بتوتر وابتسمت: "آه يا عمي، طبختها في حلة لوحدها زي ما قولتلي."
ابتسم واطمن، وسمى الله وبدأ ياكل بشهية مفتوحة.
​القعدة كانت كلها هزار، عمتي بتبص للسفرة المليانة وبتضحك وتقول لماما: "إيه يا أم سيف العز ده كله؟ كل دي لحوم وصواني؟ مين مسك قلبك وخلاكي تصرفي كده؟"
ماما بصت لعمي بامتنان وقالت بضحك: "هو أنا لولا اللحم اللي بيجيبهولنا عبد الصمد كتر ألف خيره ماكنت عرفت أعزمكم، ده بيجيب كتير وفايض كمان، ربنا يخليهولنا."
​خالي أمن على كلامها وقال: "آه والله، ربنا يكرمه ويوسع رزقه، ده بيجيبلنا

كلنا ومغرقنا."
وعمتي كملت: "ده حبيبي وأخويا، مش مخليني أحتاج أروح لجزار أبداً والله."
​عمي كان عمال ياكل من طبقه، بيمضغ اللحمة باستمتاع، ومسح بقه بمنديل وقال بفخر : "طول ما أنا عايش وعلى وش الدنيا بإذن الله، مش هخليكم تحتاجوا تشتروا كيلو لحمة واحد من بره، إنتو لحمكم من دمي."
الكل قعد يدعيله من قلبهم، وهو كان في قمة سعادته.
​بعد ما خلصنا أكل، شلنا الصواني ونضفنا السفرة، وعملنا الشاي وبدأنا نشرب وإحنا بنتفرج على التليفزيون وبنضحك. بصيت لعمي ولقيته قاعد مرتاح ومبسوط، فقلت أهزر معاه وأثبتله إن كلامي كان صح.
قربت منه وقولتله بضحك ومكر: "إيه يا عمي؟ حاسس بحاجة وجعاك؟ معدتك فيها حرقان؟"
استغرب سؤالي وقالي وهو بيشرب الشاي: "أبداً والله يا بنتي، ده أنا أصح يوم ليا النهاردة، قعدتكم دي بتشفي العليل."
​ضحكت بصوت عالي وقولتله: "أصل أنا عملت حاجة ومقدرش أنام وأنا مخبياها عليك.. بصراحة، اللحمة البلدي اللي إديتهاني الحلة بتاعتها وقعت مني واتكبت، فصبيتلك من اللحم الاسكتلندي بتاعنا اللي طبخناه لينا! الحمد لله أهو إن مجالكش حرقة معدة ولا حموضة ولا حاجة، وطلعت نفسية بس!"
​كنت مستنياه يضحك، أو حتى يشتمني بهزار... بس اللي حصل كان مرعب.
الكوباية وقعت من إيد عمي اتدشدشت على الأرض. وشه اللي كان بيضحك من ثانية، لونه اتخطف.. بقى أصفر، عينيه وسعت بشكل مخيف كأنها هتخرج من مكانها، والدموع اتجمعت فيها بسرعة غريبة.
​بصلي برعب، وقرف شديد وارتجاف قال:
"إنتي... إنتي أكلتيني من اللحم اللي بجيبهولكم؟!!"
​الكل سكت. الضحك اتقطع.
أنا مبقتش عارفة أنطق، مفهمتش ليه رد فعله مرعب كده. وفي ثانية واحدة، لقيته قام من مكانه زي المجنون، هجم عليا و مسكني من رقبتي، كان عايز يخنقني بجد، صوابعه كانت بتغرز في لحمي وهو بيصرخ بصوت مش صوته:
"يا بنت الكلب!! يا بنت الكلب!!"
​الكل اتفاجأ وقاموا يجروا، خالي وعيال عمتي بقوا يحوشوه عني بالعافية، وماما شدتني لحضنها وهي بتصرخ مش فاهمة في إيه. وقبل ما حد يقدر يسأله مالك، عمي سابنا، وجري زي الملسوع على الحمام...
​صوت ترجيع عنيف، متواصل .. كان بيتقيأ بقوة كأن روحه بتطلع منه، والرعب.. الرعب الصافي كان محفور على وشه بطريقة عمري، عمري ما هقدر أنساها.
صوت الترجيع كان بيرج الحمام رج، كأن عمي بيلفظ مصارينه مش مجرد أكل. الخوف اللي كان في عينيه وهو نازل ضرب فيا وفي كل الموجودين، الصالة اللي كانت من شوية مليانة ضحك ودفا انقلبت لمأتم. خالي جري على باب الحمام يطلب منه يفتح، وماما كانت حاضناني وهي بتترعش ومش فاهمة ليه راجل ملو هدومه يتحول في ثانية لواحد مجنون بيخنق بنت أخوه عشان أكلته من نفس اللحم اللي بيكرمنا بيه كل جمعة!
​حتى عمتي "فايزة" اللي كانت قاعدة معانا على السفرة ولسه واكلة من نفس الأكل، اتخضت وقامت تتكعبل في جلابيتها، تضرب على صدرها وتصرخ: "في إيه يا عبد الصمد؟! جالك مسموم ولا إيه؟! ما إحنا كلنا بناكل أهو واللحم زي الفل!". بس عمي ما كانش سامع حد.. لما خرج من الحمام، ما كانش عمي عبد الصمد الشهم اللي نعرفه. وشه كان أصفر زي الميتين، شفايفه زرقا، ودموعه نازلة من غير ما يبكي، دموع رعب مجرد رعب!
​زق
خالي وعمتي بقلة حيلة، وبصلي أنا وماما بنظرة كلها كره وقرف يخوف، كأنه شايف قدامه مسخ. مشي يتكعبل في خطواته وخرج من الشقة ونزل على السلم يجري كأن عزرائيل بيطارده.
​اللي حصل ده ساب في بيتنا الغلبان علامة استفهام أتقل من الجبال. عمتي قعدت على الكنبة تلطم وتقول: "الراجل جرى لعقله حاجة؟ ده أكل طبق كامل وبعدها اتجنن! هو اللحم فيه حاجة ياناس؟!"، وماما ردت وهي بتعيط: "يا لهوي.. هو اللحمة دي فيها ايه وإحنا بناكلها بقالنا خمس سنين؟!". الكلمة دي نزلت عليا زي الصاعقة.. بقالنا خمس سنين بناكل منها!
​عمتي قعدت تجادل وتدافع عن أخوها: "لا يا أم سيف متقوليش كده! ده عبد الصمد طول عمره خيره علينا كلنا، ده بيجيبلي أنا كمان في بيتي وبيغرقنا! يمكن عنده حاجة في معدته ولا جايلو جثوم!". بس أنا طول الليل مانمتش. فكرة إن عمي يتقيأ بالغل ده، وتجيله ثورة الرعب دي أول ما عرف إنه أكل من "لحمتنا"، كانت بتقولي إن فيه سر أسود استخبى ورا الـ 15 كيلو لحمة بتوع كل جمعة.
​الشك كان بيحرق في قلبي. افتكرت اللحمة دي لما كانت تقع على الأرض، مبيجيش عليها نمل أبداً! وريحتها في الشوربة كانت دايماً متغطية ببهارات غريبة وعمرنا ما شفنا دهن طبيعي بيسيح منها. ثاني يوم الصبح، وماما نزلت تشتري طلبات وأخويا في مدرسته، لقيت رجلي بتاخدني لوحدها لمحل جزارة عمي في السوق.
​المحل كان مقفول بالضبة والمفتاح، وده مش عادته أبداً. سألت "عم حنفي" بتاع الخضار اللي جنب المحل: "هو عمي عبد الصمد ما فتحش النهاردة ليه يا عم حنفي؟". بصلي بطرف عينه ونفخ دخان الشيشة
وقال حاجه غريبه جدا

 

تم نسخ الرابط