بعد سبع سنين

لمحة نيوز


اللحظة دي.. كلام مستحيل يخطر على بال أم، ولا بني آدم على وجه الأرض.. كلام خلاني أقف مكاني مش قادر أستوعب، وعقلي هيطير من شدة الذهول!
علا وقفت قصادي، عيونها كانت متسعة بشكل يخوف، وملامحها اللي اتعودت تشوف فيها الرقة والهدوء طوال 7 سنين، اتغيرت وبقت شاحبة ومقسومة نصين بين الخوف والغل. بلعت ريقها بالعافية، ونزلت دمعة حامية على خدها، بس دمعة مش بتاعة حزن أو أمومة، دي كانت دمعة قهر ووجع مكتوم، وقالت بصوت يترعش زي الصدى
ده مش ابني يا سامح.. أحمد ده مش ابننا! أنا قلبي مش حاسس بيه، أنا كل ما أبصله بشوف الشيطان اللي دخل حياتنا!
رجلي ما شالتنيش.. الجملة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت إن الأوضة بتدور بيا والأرض بتتسحب من تحت رجلي. مسكتها من ذراعها بقوة وهزيتها بحجم الذهول اللي كان راكبني أنتِ اتجننتي؟! بتقولي إيه يا علا؟! يعني إيه مش ابننا؟! ده طالع من بطنك أنتِ! أنا كنت واقف مستني بره غرفة العمليات والولدين خرجوا في إيد الدكتورة مع بعض! أنتِ عقلك جرى له حاجة من هرمونات الولادة ولا اتلبستي؟!
صرخت فيا وانهارت على الأرض وهي ماسكة رأسها بإيديها الاثنين، وبتبكي بحرقة تكسر الحجر لا ما اتجننتش! أنت مش فاهم حاجة.. أنت ما شفتش اللي أنا شفته! يوم ما كنا عند الدجالة اللي أختك خدتني ليها من سنتين.. لما كنا بنجري ورا أي قشة عشان نخلّف.. فاكر؟
رجعت بذاكرتي لورا.. سنتين كاملين. أختي كانت أقنعت علا بتروح لست متبرجة ومتخفية تحت اسم الشيخة عشان تعملها عمل أو رقية للتأخير. أنا ساعتها

اتخانقت معاها ورفضت المهازل دي، وقلتلها ده شرك بالله، وما مشيتش في الطريق ده وتخيلت إنها هي كمان صرفت نظر.
كملت علا بصوت مبحوح وهي بتبص لأحمد اللي كان على السرير بيئن بسخونية الست دي ساعتها دخلتني أوضة ضلمة.. وقالتلي كلام يخوف.. قالتلي رحمك مقفول بالضبة والمفتاح، مش هيفتحه غير حارس.. ولو فتحته، هيطلب حقه! أنا خفت وترعبت وجريت من عندها، بس بعدها بكسرة قلبي وصبري اللي نَفَد، أختك جابتلي منها زيوت ومية أصلح بيهم العقدة من غير ما أقولك! واستعملتهم.. وبعدها بشهرين بالظبط.. حلمت بكابوس يخنق. شفت واحدة بتسلمني طفلين.. واحد نوره طالع للسما، والتاني أسمر وشكله يخوف وبيصرخ.. وقالتلي واحد ليكي من عند ربنا.. والتاني الحارس بعتهولك معاه عشان يضمن إنه يفضل معاكي طول العمر!
شهقت علا وهي بتكمل ونبرتها مليانة رعب حقيقي أول ما ولدتهم وفي المظاهر الأولى، حطوا محمد على صدري حسيت بدفا الدنيا كلها، حسيت بنبض قلبي بيرد في جسمه.. ولما جابوا أحمد وحطوه جنبي.. حسيت بتلج، حسيت بنار بتاكل في صدري، وشفت في ملامحه نفس وش الراجل اللي شفته في الكابوس! أنا مش قادرة ألمسه يا سامح! مش قادرة أرضعه من جسمي، بحس إنه بيمص دمائي مش لبني.. بحس إني لو رضعته هكون ببيعه روحي!
قفت مذهول.. كل كلمة كانت بتطلع من لسانها كانت زي السكينة اللي بتدبح عقلي. مراتي، الست المتعلمة الهادية، وقعت في فخ الدجل والخرافات، والنفسية الهشة مع حرمان ٧ سنين والضغط العصبي خلوها تدخل في حالة من السيكوزس أو الهلوسة
الانفصالية! هرمونات الاكتئاب بعد الولادة Postpartum Psychosis اتجمعت مع خرافات المنجطين اللي اتزرعت في دماغها من سنتين، وعملت مأساة حقيقية.
قربت منها، ودفنت غضبي جوايا.. كانت محتاجة إيد تتمد لها مش صريخ يزود جنونها. ووطيت على ركبتي قدامها، مسكت إيديها التعبانين وقعدت أبص في عينيها بثبات علا.. بصيلي هنا. ربنا لما رزقنا، رزقنا بالحق. ربنا ما بيبعتش شيطان من رحم أم.. ربنا قال في كتابه لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا. ده رزق ربنا الصافي اللي دعينالوا ٧ سنين.. الواد ده حتة منك ومني، ودمه من دمك.. وأنتِ باللي بتعمليه ده بتقتلي طفل بريء مالوش أي ذنب في خيالات وأوهامزرعها الدجالين في دماغك!
بصتلي بضياع وقالت بس أنا خايفة يا سامح.. قلبي مقفول من ناحيته!
شيلت أحمد من على السرير.. الولد كان بيغلي، ووشه بقى شاحب خالص وصوته مكتوم من التعب. حطيته بين إيديها بالعافية، وحضنت إيديها حواليه بصي له يا علا.. بصي في عينيه! ده ابنك أحمد.. بصي لملامحه، دي نفس مناخيرك، ونفس عيونك.. الطفل ده بيموت بسخونية، وإذا جرى له حاجة، ذنبه هيكون في رقبتك أنتِ قدام ربنا.. مش أي حارس ولا أي كلام فارغ!
الولد فتح عينيه الصغيرين بالعافية وهو في حضنها، وبدأ يصرخ بصوت ضعيف جداً كأنه بيستنجد بأمه. في اللحظة دي، وكأن الغشاوة اتزاحت عن عين علا، جدار الخوف والوهم
انكسر مع صوت بكاء ابنها الحقيقي.. غريزة الأمومة اللي كانت محبوسة تحت ركام الخوف والاكتئاب اتفجرت مرة واحدة.
علا ضمته لصدرها بقوة، وانهارت في العياط بصوت هز الأوضة كلها سامحني يا رب! سامحني يا بني.. يا حبيبي يا أحمد.. سامحني يا رب!
بدأت ترضعه وهي بتعيط وتهزه وتبوس في راسه اللي كانت بتغلي من السخونية، دموعها كانت بتنزل على وشه وتغسله.. وأنا واقف باصص لهم والدموع مغرقة عيني، بحمد ربنا إن الحق ظهر قبل ما نفقد الطفل.
على طول خدينا أحمد للمستشفى وحجزناه في الحضّانة يومين عشان الصفرا والسخونية تنزل، وعلا ما فارقتش باب الأوضة ولا ثانية. كانت بتدخل ترضعه بانتظام وهي ماسكة فيه كأنها خايفة يتسرق منها.
وبعد ما عدينا الأزمة الصحية، عرفت إن المعركة الحقيقية لسة تبدأ.. أخدت علا لمؤتمنين واستشاريين في الطب النفسي، وبالفعل الدكتور أكد إنها كانت بتعاني من اكتئاب حاد بعد الولادة ممتزج بصدمة نفسية واعتقادات قهرية قديمة، وأخدت جلسات وعلاج نفسي منتظم. وفي نفس الوقت قطعنا كل صلة بالأفكار والدجالين دول ورجعنا لربنا وبس.
النهارده.. وبعد مرور سنين على الليلة المرعبة دي، أحمد ومحمد كبروا وبقوا طول بيلعبوا سوياً في البيت. والغريب بقى؟ إن

علا دلوقتي بتحب أحمد وبتاخد بالها منه أكتر من محمد بكثير.. كأنها بتحاول طول الوقت تعوضه عن الأسبوعين اللي حرمته فيه من حنانها، وكل ما تبص له تبتسم وتستغفر ربنا على اللحظة اللي غاب فيها عقلها عن حقيقة إن الأطفال دول هما أجمل هدية من ربنا بعد
طول انتظار.

 

تم نسخ الرابط