لما خرجنا
ثريا فعلاً ما تعرفش ابنها فين.. ليه قبل ما الشرطة توصل لي ب عشر دقايق، كانت بتكلمني وتقول لي بثقة عمياء إن حسام في المستشفى ومحتاج حد يخدمه؟!
العربية ماشية بينا على طريق السخنة، وكل كيلومتر بيقربني من القاهرة، كان قلبي بيقبض أكتر. الأسئلة اللي في دماغي بقت عاملة زي كرة السلة، بتخبط في بعضها من غير إجابة.
المقدم هشام لاحظ سكوتي، فالتفت لي شوية وقال بهدوء أنا فاهم إنتي بتفكري في إيه يا شهد.. وسؤالك بتاع مين بلغ عن اختفاء حسام في محله.
عدلت قعدتي وسألته بسرعة طب ومين اللي بلغ فعلاً؟
المقدم هشام بص لنقيب أحمد، وبعدين رجع بص لي وقال اللي بلغ عن اختفاءه.. مش أمه.. ومش العروسة.
برقت وفتحت عيني للآخر أمال مين؟! مين اللي ممكن يبلغ عن واحد يوم فرحه غير أهله أو مراته؟
شخص تالت خالص.. شريكه في الشغل.
اتخضيت شريكه؟ تقصد كمال؟
أيوة.. المهندس كمال. المقدم هشام كمل كلامه بنبرة جية كمال هو اللي راح القسم إمبارح بالليل، وقدم بلاغ إن حسام ما حضرش اجتماع مهم، وإن تليفونه مقفول، وإن في حاجات غريبة بتحصل في الشركة.. والأهم من كده، إنه قال إن حسام كان باعت له رسالة غامضة قبل ما يختفي بكام ساعة بيطلب منه يبعد عن مراته الجديدة لو حصل له حاجة!
فتحت بوقي من الصدمة. مراته الجديدة؟! يعني هي أصلاً موجودة في الصورة، وليه حسام يبعت لكمال رسالة زي دي؟
رسالة إيه؟ سألت وصوت بيترعش شوية من كتر اللخبطة.
النقيب أحمد هو اللي رد من قدام رسالة نصية على الواتساب.. حسام باعت لكمال بيقوله فيها لو جرالي حاجة، خلّي بالك من مراتي.. ومن اللي عملته ثريا. ورسالة
حطيت إيدي على دماغي. إيه الكارثة دي كلها اللي اتفجرت فوق دماغي وأنا يدوب لسه بقول هقضي أسبوعين رايقين في الغردقة؟!
يعني إيه؟ قلت بتهكم عصبي يعني إحنا قدام جريمة ولا إيه بالضبط؟
المقدم هشام ما ردش بإجابة قاطعة، بس قال جملة واحدة خوفتني بجد التحريات هي اللي هتحدد.. بس اللي متأكدين منه، إن ثريا أم حسام كذبت عليكِ لما قالت لك إنه في المستشفى. لأننا فحصنا كل المستشفيات في القاهرة والجيزة واسم حسام مش موجود في أي دفتر دخول خالص.
سكتّ تماماً.
لما أم حسام تكذب وتقول إنه في المستشفى، وهي أصلاً ما بلغتش عن اختفاءه كمال اللي بلغ.. ده معناه إنها عارفة هو فين كويس قوي! أو على الأقل.. عارفة مين اللي أخفاه، أو إيه اللي حصل يوم الفرح!
العربية دخلت كمين القاهرة، وهناك عربية مباحث ثانية كانت استنانا عشان تنقلني مباشرة على مديرية أمن القاهرة، مش على البيت.
وأنا نازلة من عربية المباحث وداخلة على بوابة المديرية، بصيت لساعتي.. لقيتها تسعة بالليل.
إمبارح في نفس الوقت ده تقريباً، كنت قاعدة في البيت مع حسام بنلم هدومه، والنهارده أنا داخلة قسم الشرطة كشاهدة رئيسية في قضية اختفاء غامضة وربما أكتر من كده.
دخلونا مكتب المقدم هشام، وبعد دقائق من الانتظار، الباب خبط ودخل ظابط تاني معاه ملف ورقي تخين.
الظابط بص للمقدم هشام وقال بصوت واطي بس سمعته كويس يا فندم.. لقينا عربية حسام.. ركنينها في جراج مول في التجمع الخامس.. والتليفون مفتوح إشارة رساله أخيرة منه.
المقدم هشام وقف بسرعة وفين حسام جوه العربية؟
الظابط هز راسه
الكل في المكتب سكت.. وأنا حسيت إن الأوضة بتلف بيا، والدنيا اتقفلت في وشي.
حسام.. مش مجرد مختفي.
حسام فيه بلاء كبير وقع عليه، وأنا للأسف.. بقيت في قلب النار دي من غير ما أحس.
العربية دخلت بيا بوابة المديرية، والنفس كان بيطلع بطلع الروح. ريحة القلق والتراب والقضايا كانت مالية المكان.
دخلوني مكتب المقدم هشام، وبعدها بدقائق دخل ظابط تاني وهو شايل كيس بلاستيك كبير وشفاف جوه تيشرت مرقّع بقع غامقة، وقال بصوت متحفظ يا فندم.. فحصنا الكاميرات بتاعة الجراج في التجمع، ولقينا المفاجأة.
المقدم هشام سابه وقام وقف إيه هي؟
الظابط حط الكيس قدامه على المكتب الكاميرات صورت مين اللي سايب العربية في الجراج.. مش حسام خالص.. اللي كان سايق العربية ونزل منها كان كمال.. شريكه في الشغل!
الدم جمد في عروقي. كمال؟! الشريك اللي راح بلغ عن اختفائه من إمبارح هو اللي كان سايق عربيته وسايبها في الجراج؟!
المقدم هشام لف وبص لي نظرة سريعة، وبعدين وجه كلامه للظابط ومدام ثريا؟ أم حسام فين دلوقتي؟
جبناها يا فندم.. محجوزة في أوضة التحقيق اللي جنبنا، ومنهارة خالص وقالت كل حاجة أول ما شافت كيس الدم!
قلبي كان بيدق زي الطبلة. مسكت في حرف الكنبة وأنا حاسة إن الحقيقة المرعبة خلاص هتنكشف.
المقدم هشام شاور لي بإيده تعالي يا شهد.. تعالي اسمعي بنفسك أم طليقك هتقول إيه.
دخلنا أوضة التحقيق اللي فاصل بينها وبين الأوضة التانية زجاج عاكس. شفت ثريا قاعدة على الكرسي، وشعرها مهوش، وبتعيط
صوت التحقيق كان واصل لنا بوضوح عبر السماعة
اقسم بالله ما كنت أعرف إنه هيوصل لقتل يا باشا! كمال قالي هأدبه بس! قالي هخليه يتنازل عن نصيب الشراكة ويكتب لي الشركة، وعشان يضمن إنه يوافق يوم فرحه خطط إنه يخطفه ساعات ويرعبه!
المقدم هشام اتكلم في جهاز الداخلية وهو باصص جوه وحسام فين دلوقتي يا ثريا؟ وابنِك إيه نظامه؟
ثريا صرخت بصوت هز الأوضة كمال هو اللي قتله! لما حسام عرف لعبته يوم الفرح ورفض يمضي التنازل، اختلفوا.. وكمال ضربه بمفتاح العربية على رأسه في ساعة عصبية.. وموته! وبعدين حط الجثة في شنطة العربية ورماها في المقطم!
كلمات زي الصاعقة نزلت على دماغي.
حسام مات؟
مات في يوم فرحه اللي كان متعجل عليه عشان يبدأ حياة جديدة بعيد عني!
بصيت للمقدم هشام وعيوني مليانة دموع، مش حزنًا عليه بالقدر ما هو ذهول من عبث الدنيا. إمبارح بس كنا واقف قدام محكمة الأسرة بنقسم حياتنا بكل برود، والنهاردة هو بقى في خبر كان، وعيلته اللي باعتني عشان أخدمه، هي اللي تسببت في نهايته بطمعهم وشراكتهم الوسخة.
المقدم هشام طبطب على كتفي وقال بصوت هادي إجازتك باظت يا شهد.. بس حق طليقك هيرجع، والكل هيتحاسب.
خرجت من المديرية لوحدي مع أول ضوء للنهار. الشارع كان هادي، والهواء ساقع، والتليفون اللي في إيدي كان منور برقم مدام ثريا اللي محطوط على بلوك.
فتحت البلوك، بصيت على شاشات الموبايل، ومسحت كل حاجة تخصه.
ركبت عربية تخليني أرجع ألم شنطي من الأوتيل في الغردقة.. بس مش عشان أستجم، عشان أقفل الصفحة دي للأبد، وأعرف أخيراً إن بعدين الحقيقي.. هو اللحظة