وقفوا ست عجوز

لمحة نيوز


الثانية
ثم الثالثة
حتى امتلأ الطريق بسيارات الشرطة.
توقفت جميعها.
ونزل منها رجال بملابس رسمية.
لكن الجميع كان يفسح الطريق لرجل واحد.
إنه روبرت
رئيس الإدارة.
كان يسير بخطوات سريعة، وملامحه متجهمة بشكل غير معتاد.
اقترب مباشرة من سيارة الدورية.
لم ينظر إلى مايكل.
ولا إلى دانيال.
فتح الباب الخلفي بنفسه.
وعندما وقعت عيناه على مارجريت وهي مكبلة بالأصفاد
تجمد في مكانه.
ثم تغير لون وجهه تمامًا.
استدار ببطء نحو الضابطين.
وقال بصوت منخفض
لكنه كان مخيفًا
مين اللي كبل السيدة دي؟
ابتلع مايكل ريقه.
وقال
يا فندم إحنا شكينا إن العربية
لكن روبرت قاطعه وهو يرفع صوته لأول مرة
أنا سألت سؤال واحد.
مين؟
رفع مايكل يده بتردد.
قال روبرت
فكوا الأصفاد حالًا.
ارتبك دانيال.
بس يا فندم
صرخ فيه
حالًا!
بأيدٍ مرتعشة
فتح دانيال الأصفاد.
خرجت مارجريت بهدوء شديد.
عدلت معطفها.
ثم رتبت طرحتها كأن شيئًا لم يحدث.
وفي اللحظة التالية
حدث شيء لم يكن الضابطان يتخيلانه أبدًا.
وقف

روبرت مستقيمًا.
ضم قدميه.
ورفع يده إلى رأسه
وأدى لها التحية العسكرية بكل احترام.
ظل واقفًا هكذا عدة ثوانٍ.
ثم قال
أعتذر يا سيادة اللواء.
كلمة واحدة
لكنها كانت كفيلة بأن تجعل الأرض تدور تحت أقدام مايكل ودانيال.
سيادة اللواء؟!
نظر الاثنان إلى بعضهما في ذهول.
هل هذه السيدة البسيطة
التي كانت ترتدي طرحة قديمة
هي لواء متقاعد؟
لاحظت مارجريت صدمتهم.
لكنها لم تبتسم.
ولم تشعر بأي رغبة في التشفي.
قال روبرت وهو يخفض رأسه باحترام
لم أكن أعلم بما حدث إلا منذ دقائق. بمجرد أن ظهر اسم حضرتك في النظام، تم إبلاغي فورًا.
ثم التفت إلى الضابطين وقال
هل تعرفان من تقفان أمامها؟
هزّا رأسيهما بالنفي.
قال
هذه السيدة خدمت الوطن قرابة أربعين عامًا.
بدأت ضابطًا صغيرًا، حتى أصبحت واحدة من أهم القيادات في تاريخ الجهاز.
وأنا شخصيًا كنت واحدًا ممن تعلموا على يديها.
شعر مايكل أن قدميه لم تعودا تحملانه.
أما دانيال
فكان ينظر إلى الأرض في خجل شديد.
لكن المفاجأة الأكبر
أن مارجريت
لم تبدُ مهتمة بكل هذا.
اقتربت من سيارتها.
ومررت يدها على المكان الذي دفعها إليه الضابطان قبل قليل.
ثم نظرت إلى الخدوش الخفيفة على الطلاء.
تنهدت بهدوء.
واستدارت نحو الجميع.
قالت
المشكلة مش إنكم معرفتوش أنا مين.
نظر إليها الجميع في صمت.
وأضافت
بالعكس أنتم ما كانش المفروض تعرفوا.
أنا متقاعدة من سنين ومن حقي أعيش كمواطنة عادية.
ثم أشارت إلى سيارتها.
وقالت
لكن اللي حصل كشف مشكلة أكبر بكتير.
اقترب الضابطان دون أن ينطقا.
قالت وهي تنظر في أعينهما
أنتوا شفتوا عربية غالية وست كبيرة لابسة طرحة بسيطة.
وعقلكم قرر في ثانية إن فيه جريمة.
من غير دليل.
من غير بلاغ.
من غير مخالفة.
حتى بعد ما الأوراق كلها طلعت سليمة فضلتوا مقتنعين إني مجرمة.
ساد صمت ثقيل.
ثم سألتهم سؤالًا واحدًا
لو كان اللي سايق العربية راجل لابس بدلة غالية وساعة بمئات الآلاف كنتوا هتوقفوه أصلًا؟
لم يجب أحد.
لأن الإجابة كانت واضحة.
نظر روبرت إليها وقال
أعدك يا فندم سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة.

قالها وهو يقصد معاقبة الضابطين.
لكنها رفعت يدها لتقاطعه.
لا.
نظر إليها باستغراب.
قالت
ما تفصلوهمش.
رفع مايكل رأسه فجأة.
لم يصدق ما سمعه.
وأضافت
الغلط الكبير يتصلح بالتعليم مش بالانتقام.
ثم نظرت إلى الضابطين وقالت
ارجعوا اتعلموا من أول وجديد.
افتكروا دايمًا إن رجل الشرطة يحكم بالأدلة مش بالمظاهر.
لأن أول يوم هتحكم فيه على إنسان من شكله هيكون أول يوم تظلم فيه بريئًا.
اغرورقت عينا دانيال بالدموع.
وقال بصوت مرتعش
إحنا آسفين.
أما مايكل
فلم يجد كلمات تكفي للاعتذار.
اكتفى بأن انحنى برأسه في صمت.
ابتسمت مارجريت لأول مرة.
ابتسامة هادئة
لا تحمل شماتة.
ولا غضب.
بل تحمل درسًا لن ينساه أحد.
أخذت مفاتيح سيارتها.
ركبت خلف المقود.
شغلت المحرك.
وقبل أن تغادر، أنزلت الزجاج وقالت
الرتب والمناصب كلها بتختفي مع الوقت.
لكن احترام الإنسان هو اللي بيفضل طول العمر.
ثم انطلقت بسيارتها بهدوء.
وظل الجميع ينظر إليها حتى اختفت في نهاية الطريق.
وفي ذلك اليوم
لم يتعلم
مايكل ودانيال درسًا عن القانون فقط
بل تعلما أن أخطر الأحكام هي تلك التي يصدرها الإنسان في رأسه قبل أن يرى الحقيقة.
تمت.

 

تم نسخ الرابط