جارتي

لمحة نيوز


— عارفة الزيادة اللي كنتِ بتقولي عليها "كام دولار"؟
سكتت.
قلت:
— دي تكلفة الكهرباء اللي استهلكتيها من بيتي طول الفترة اللي فاتت.
بدأت تتلعثم:
— أنا… أنا كنت فاكرة إن…
قاطعتها:
— إن إيه؟ إن عشان أنا عايشة لوحدي يبقى حقي مش مهم؟
ما ردتش.
لكن فجأة سمعت صوت عربيات جاية من آخر الشارع.
منى بصت وراها، واتصدمت.
كان جوز بنتها، وابنها الكبير، ومعاهم اتنين من الجيران.
واضح إنها كانت كلمتهم عشان يشوفوا "المشكلة اللي أنا عاملاها".
قالت لهم بسرعة:
— بصوا هي قافلة عليا الكهرباء ومش راضية تخليني أشحن!
الناس بصتلي.
أنا ما دافعتش عن نفسي.
بس طلعت الورقة اللي عليها حساب الاستهلاك، وحطيتها قدامهم.
وقلت:
— أنا مش مانعة عنها حاجة. أنا بس منعت عنها استخدام كهربتي من غير إذني.
واحد من الجيران سأل منى:
— هو الكلام ده صح؟ كنتِ بتشحن العربية من عندها؟
منى سكتت.
وساعتها قلت:

مش دي المشكلة الوحيدة.
دخلت البيت، وجبت صورة ماكينة قص الحشائش بتاعتي.
وبعدين صورة التمثال اللي كانت أخدته.
وقلت:
— حاجات صغيرة، وكنت بسكت. لكن لما وصل الموضوع للكهربا، ودفعت أنا تمن استهلاك عربيتها، قررت إن السكوت لازم ينتهي.
منى احمر وشها.
وقالت بعصبية:
— يعني إنتِ عايزة تفضحيني؟
قلت لها:
— لأ.
وبصيت للناس وقلت:
— أنا عايزة بس كل واحد يعرف إن ممتلكات غيره مش مباحة لمجرد إنه ساكت.
ساد الصمت.
وفجأة، ابن منى قال لها:
— ماما… هو إنتِ فعلًا كنتِ بتاخدي حاجات من عندها؟
منى ما ردتش.
هنا فهم هو كل حاجة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
في اليوم التالي، خبط على بابي رجل من شركة الكهرباء.
قال لي:
— حضرتك، إحنا محتاجين نتكلم معاكي بخصوص العداد.
قلبي وقع.
قلت:
— في مشكلة؟
قال:
— بالعكس… إحنا اكتشفنا إن فيه استهلاك غير طبيعي كان خارج عن نمط استهلاك البيت.
وبعد
مراجعة البيانات، اتضح إن الزيادة الكبيرة حصلت في ساعات محددة، وبشكل متكرر.
سألني:
— هل عندك أي شخص كان بيستخدم مصدر كهرباء خارجي من البيت؟
بصيت له وقلت:
— أيوه.
وحكيت له كل حاجة.
بعد أيام، اتراجع حساب الاستهلاك، واتأكدوا من الأرقام.
والأهم…
إن منى اضطرت تدفع قيمة الكهرباء اللي كانت استخدمتها.
لكن اللي حصل بعدها كان أغرب.
منى جتلي الصبح، وكانت ماسكة كيس كبير.
فتحته قدامي…
لقيت فيه ماكينة قص الحشائش والتمثال الصغير وكل الحاجات اللي كانت أخدتها مني.
قالت وهي مكسوفة:
— أنا آسفة.
بصيت لها من غير ما أتكلم.
قالت:
— أنا كنت فاكرة إنك عشان لوحدك، مش هتفرقي معاكي الحاجات دي.
قلت لها:
— الوحدة مش معناها إن الإنسان ملوش حق.
نزلت عينيها وقالت:
— عندك حق.
ومن يومها، منى ما قربتش من أي حاجة تخصني.
لكن أكتر حاجة علقت في دماغي حصلت بعد أسبوع.
كنت واقفة قدام البيت، لقيت
منى بتركن عربيتها.
وبعدين نزلت منها، وراحت ناحية بيتي.
أنا افتكرت إنها جاية تتكلم معايا.
لكنها وقفت عند الباب، وطلعت من شنطتها وصل كهربا.
قالت:
— أنا دفعت أول قسط من اللي عليا.
ضحكت وقلت:
— مش لازم توريهولي.
قالت:
— لأ… لازم.
وسكتت لحظة، وبعدين قالت:
— عارفة إيه اللي وجعني أكتر من الفلوس؟
قلت:
— إيه؟
قالت:
— إني كنت شايفاكي ساكتة، فافتكرت إن سكوتك ضعف.
ابتسمت وقلت لها:
— وأنا كنت فاكرة إن سكوتي هيحافظ على الجيرة.
وبعدين دخلت بيتي.
ومن يومها، فهمت درس عمري:
الطيبة مش معناها إنك تسمح للناس تستغلك.
وأحيانًا، أقوى رد على الشخص اللي بيتعدى حدودك…
مش إنك تصرخ في وشه.
لكن إنك تقفل الباب اللي كان داخل منه، وتخليه لأول مرة يواجه نتيجة أفعاله.
أما منى؟
فكل ما كانت تشوفني بعد كده، كانت تضحك وتقول:
— والله يا ست أمينة… عمري ما هنسى يوم صندوق الفيشة!
وأنا كنت أضحك
وأقول لها:
— وأنا عمري ما هنسى فاتورة الكهربا اللي علمتك إن "كام دولار" ممكن يبقوا درس عمر كامل!

تم نسخ الرابط