المقابلة النهاءية رشا خالد
الفصل الأول
في الليلة اللي سبقت موعد المقابلة النهائية في مسابقة التعيين في الوظائف الحكومية على مستوى المحافظة، وصلتني رسالة من بنت خالي ملك.
كانت الرسالة عبارة عن صورة لرسغ إيدها.
الرسغ كان عليه جرح واضح، والدم نازل على إيدها، والمنديل الورقي اللي حطته عليه اتشبع باللون الأحمر.
وبعد الصورة مباشرة، بعتتلي
يا هند، أنا مش قادرة أعيش كده أكتر ممكن ترجعي تشوفيني شوية؟
أول ما قرأت الرسالة، خطفت مفتاح عربيتي.
كنت لسه حتى ما غيرتش الجزمة.
فتحت باب أوضة الفندق، وكنت على وشك أنزل وأرجع لبيت خالتي فورًا.
لكن قبل ما أخرج، موبايلي اهتز.
رقم مجهول.
وصلتني منه رسالة واحدة
ماتروحيش.
وقفت مكاني.
بصيت للرسالة ثواني.
وبعدها وصلت رسالة تانية
الصورة اللي ملك بعتها لك تمثيلية.
اتجمدت إيدي على مقبض الباب.
ظهرت رسالة ثالثة
لو رجعتي دلوقتي، هتقفل عليكي الباب وتمنعك من الخروج، ومش هتلحقي تحضري المقابلة بكرة.
وبعدها مباشرة
حبيبها أحمد جايب المركز التاني في نفس الوظيفة اللي إنتِ متقدمة لها.
غيابك عن المقابلة هيخليه يطلع مكانك.
فضلت أبص للشاشة وأنا مش فاهمة.
مين صاحب الرقم؟
وإزاي عارف تفاصيل المقابلة؟
وإزاي عارف إن أحمد هو المنافس المباشر ليا؟
لكن قبل ما أفكر أكتر، رسالة جديدة ظهرت
لو مش مصدقاني، ماترجعيش.
بصيت للباب المفتوح قدامي.
وبعدين بصيت للموبايل.
في النهاية، رجعت خطوة لورا.
قفلت الباب.
ولأول مرة، بدأت أشك إن الرسالة اللي بعتها ملك ممكن تكون فعلًا فخ.
لكن لو كانت بتحاول تأذي نفسها فعلًا؟
ساعتها أنا هكون بتجاهل حياتها.
ما كانش عندي استعداد أخاطر.
طلعت موبايلي واتصلت بالشرطة.
قلت
ألو، بنت خالي عندها مؤشرات قوية إنها بتحاول تأذي نفسها. لو سمحتوا ابعتوا حد فورًا.
وبعدها اتصلت بالإسعاف.
قلت
هي بعتتلي صورة لرسغها وهو بينزف، لكنها رفضت تعمل مكالمة فيديو عشان أتأكد من إصابتها.
أنا موجودة في فندق قريب من مكان الامتحان، وبكرة عندي المقابلة النهائية المهمة جدًا، ومينفعش أسيب المكان بشكل عشوائي.
أرجوكم ابعتوا حد فورًا لإنقاذها.
موظف استقبال بلاغات الشرطة طلب مني العنوان بالتفصيل.
قلت له عنوان بيت خالتي في المنطقة القديمة، وبعدها أضفت
اسمها ملك، عندها 22 سنة.
هي لسه باعتالي صورة لرسغها وهو بينزف، والرسالة فيها كلام واضح إنها ممكن تأذي نفسها.
نبرة الموظف اتغيرت فورًا وبقت أكثر جدية.
قال
حاولي تفضلي على تواصل معاها، ومتستفزيهاش أو تعملي أي حاجة ممكن تخليها تتصرف بعنف.
إحنا هنوجه قوة للمكان فورًا.
قفلت معاه، وكررت نفس الكلام تقريبًا مع الإسعاف.
غرفة الفندق كانت هادية بشكل غريب.
على المكتب قدامي كان فيه بطاقة هويتي، واستمارة التسجيل، وملف المؤهلات، وكل أوراق مراجعة البيانات المطلوبة للمقابلة النهائية اللي هتكون بكرة.
وفجأة وصلتني رسالة صوتية من ملك.
شغلت تسجيل الشاشة، وبعدها فتحت التسجيل.
سمعت صوتها وهي بتعيط بشدة، وأنفاسها متقطعة
يا بنت خالي إنتِ ليه لسه مجيتيش؟ أنا فعلًا مش قادرة أستحمل.
أخدت نفس عميق، ورديت بهدوء
أنا بلغت الشرطة، وكمان اتصلت بالإسعاف.
الشرطة والدكاترة هيوصلوا عندك أسرع بكتير من إني أسوق أكتر من ساعة من الفندق للبيت.
الطرف التاني سكت فجأة.
عدت ثواني.
وبعدين سمعت صوت ملك وهو بيتحول لصوت حاد وعصبي
إنتِ بلغتي الشرطة؟!
قلت
أيوه.
صرخت
إنتِ اتجننتي يا هند؟!
أنا كنت عايزة أشوفك شوية بس، إنتِ بلغتي الشرطة ليه؟!
قلبي وقع.
البنت حتى نسيت إنها كانت بتمثل دور البنت اللي بتعيط ومش قادرة تكمل حياتها.
سألتها
مش إنتِ اللي قولتي إنك مش قادرة تكملي؟
سكتت لحظة.
وبعدين رجعت تتكلم بنبرة بكاء مصطنعة
أنا بس كنت مضايقة أوي وعايزة أشوفك.
إنتِ عملتي كده ليه؟ دلوقتي الجيران هيبصولي ويقولوا عليا إيه؟
أمي هتضربني وتبهدلني.
قلت بهدوء
طيب ابعدي أي حاجة ممكن تأذيكي عنك، وروحي اقعدي في الصالة واستني الدكاترة.
ما ردتش.
قفلت المكالمة.
وحفظت التسجيل عندي.
وبمجرد ما حطيت الموبايل على السرير، اهتز مرة تانية.
الرقم المجهول.
رسالة واحدة
دلوقتي فهمتي؟ هي ما كانتش عايزة تموت.
وبعدها
لكن لسه ما تواجهيش ملك أو أحمد.
خلي الشرطة هي اللي تتعامل معاهم.
فضلت أبص للرسائل.
ثم سألت الرقم
إنت مين؟
ظهرت علامة إن الرسالة اتقريت.
لكن ما جاليش رد.
اتصلت بخالتي.
رن الموبايل مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
في المرة التالتة ردت.
قلت
خالتي، ملك بعتتلي صورة شكلها محاولة إيذاء لنفسها، وأنا بلغت الشرطة والإسعاف. إنتِ لازم ترجعي البيت فورًا.
سكتت خالتي ثواني.
وبعدين انفجرت فيا
إنتِ بلغتي الشرطة ليه؟!
بنتي حالتها النفسية وحشة، كنتِ ترجعي تطمني عليها وخلاص!
قلت
لو هي فعلًا أذت نفسها، الإسعاف هيكون أهم وأسرع من إني أرجع أنا.
خفضت صوتها وبدأت تشتم
إنتِ عايزة كل المنطقة تعرف إن بنتي حاولت تأذي نفسها؟!
عايزة تفضحينا؟!
عايزة تخلي الناس تقول علينا إيه؟!
سكت لحظة.
حسيت إن الموضوع كله بقى سخيف بشكل مؤلم.
بنتها ممكن تكون فعلًا في خطر، وكل اللي شاغلها هو الناس هتقول إيه.
ما رديتش عليها.
قفلت المكالمة.
وبدأت أعمل نسخ احتياطية لكل حاجة
المحادثات.
الصورة.
الرسالة الصوتية.
سجل المكالمات.
وكل التفاصيل اللي حصلت من أول لحظة.
كانت الساعة 1152 مساءً.
فجأة رن موبايلي.
رقم غريب.
رديت.
جالي صوت راجل
هند، أنا أحمد.
اتجمدت.
أحمد.
حبيب ملك.
قال
ملك حالتها النفسية سيئة جدًا.
هي مش بتسمع كلام أي حد، وبتسمعلك إنتِ بس.
ارجعي لها.
سألته
إنت فين؟
اتردد لحظة.
وبعدين قال
أنا تحت بيتها.
قلت
طيب ما تطلع لها؟
وليه ما اتصلتش بالإسعاف؟
سكت ثانيتين.
وبعدين نبرة صوته بقت أبرد
ماتكبريش الموضوع.
هي بس عايزة تشوفك، ومش عايزة الشرطة تحاصر البيت والناس تفضل تتفرج عليها.
ضحكت بسخرية.
قلت
محاولة إيذاء النفس مش موضوع كبير؟
رد
هند، بكرة عندك المقابلة النهائية، وأنا فاهم إنك متوترة.
لكن مينفعش عشان وظيفة تضغطي على بنت خالك لحد ما توصل للمرحلة دي.
ركزت على كلمة وظيفة اللي قالها بطريقة غريبة.
كأنه كان بيختبر رد فعلي.
قلت
إنت قلقان عليها للدرجة دي؟
كان المفروض تكون أول واحد يؤيد إني أبلغ الشرطة والإسعاف.
صوته وطي أكتر
إنتِ لو رجعتي دلوقتي، لسه هتلحقي.
سواقة ساعة بس.
وبكرة الصبح أنا ممكن أوصلك لمكان المقابلة.
رديت بهدوء
مش محتاجة.
أنا مش هسيب الفندق.
لأول مرة، اختفى تمامًا أي دفء من صوته.
قال
هند، متكونيش أنانية.
قفلت المكالمة.
وحفظت التسجيل.
وبمجرد ما حطيت الموبايل على المكتب، ظهر إشعار جديد.
الرقم المجهول.
فتحت الرسالة.
كويس إنك ما رجعتيش.
وبعدها
أحمد هيحاول يقنعك إن الموضوع كله سوء تفاهم.
ماتصدقيهوش.
وبعدها رسالة أخيرة
هو محتاج غيابك أكتر مما محتاج سلامة ملك.
بدأت أشعر بقشعريرة.
المرسل مش بس عارف اللي بيحصل.
ده كان بيتابع كل خطوة.
فتحت الإيميل، وبعت رسالة رسمية للمجلس المسؤول عن المقابلات، على عنوان البريد الإلكتروني الموجود في إعلان التوظيف.
كتبت
أنا هند، متقدمة لشغل وظيفة محررة أخبار عاجلة في مركز الإعلام التابع للمحافظة.
الليلة، قامت بنت خالي ملك بإرسال رسالة لي تحتوي على مؤشرات واضحة على محاولة إيذاء النفس، ولذلك قمت بالاتصال بالشرطة والإسعاف.
وبحسب علمي، فإن المتقدم لنفس الوظيفة أحمد، تجمعه علاقة عاطفية وثيقة بملك، وقد اتصل بي هاتفيًا وطلب مني مغادرة الفندق القريب من مكان المقابلة خلال الليل.
ولتجنب حدوث أي نزاع أو سوء فهم في مكان المقابلة غدًا، أرسل هذا التوضيح مسبقًا لإثبات ملابسات ما حدث.
ضغطت إرسال.
ظهرت رسالة تأكيد الاستلام تلقائيًا.
فضلت أبص على كلمة
تم الاستلام.
لحد ما أخيرًا قعدت على طرف السرير.
الساعة 1227 بعد منتصف الليل، رن موبايلي.
كان اتصال من الشرطة.
قال الضابط
آنسة هند، إحنا وصلنا للمكان.
ملك موجودة في البيت، وحالتها الحيوية مستقرة.
مفيش أي جروح واضحة على رسغها.
لقينا في المكان آثار لون أحمر ودم صناعي.
غمضت عيني.
كنت عارفة.
سألته
هل هي محتاجة تروح المستشفى؟
قال
طاقم الإسعاف قيّم حالتها مبدئيًا، ومش شايف إنها محتاجة نقل للمستشفى في الوقت الحالي.
لكن إحنا هنثبت الواقعة في المحضر.
قلت
شكرًا لحضرتك.
وأنا لسه على الخط، سمعت صوت ملك من بعيد وهي بتصرخ وبتعيط
أنا مش كنت عايزة أموت!
أنا بس كنت بلعب!
ليه هند بلغت الشرطة وفضحتني؟!
ما اهتمتش بكلامها.
قفلت المكالمة.
وفي نفس اللحظة، وصلتني رسالة جديدة من الرقم المجهول.
دلوقتي عندك دليل إنها كذبت.
وبعدها
احتفظي بكل التسجيلات