حمايا عنده عاده غريبة

لمحة نيوز

قصب عنها وقالتلي
حقك عليا يا بنتي.. حقك عليا في كل لحظة اتكسفتي فيها ولا اتضايقتي.. المشكلة مش في الحمام، ولا السباكة، ولا الهوا.. المشكلة الحقيقية إن عمك عنده مرحلة متقدمة من الخرف والزهايمر المبكر!
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة! قلبي دق بسرعة وبصيت لها وأنا مش مصدقة زهايمر؟!
ردت حماتي وهي بتمسح دموعها بطرف شالها أيوه يا بنتي.. بقاله أكتر من سنة على الحال ده، والطب النفسي والدكاترة قالولنا إن حالة مخه بتتراجع. هو مبيبقاش فاكر السكة، وفي مخيلته الشقة تحت دي هي البيت القديم بتاع زمان اللي كان مخنوق فيه، ولما بيطلع عندكم فوق، بيفتكر إنه دخل بيته الجديد اللي كان بيحبه زمان، عقله الباطن بيربط بين طلوع السلم وبين إنه رايح مكان مريح بالنسبة له!
كملت حماتي بقلة حيلة وصوت بيتقطع إحنا خبينا عليكي وعن الناس كلها يا ألاء عشان نستره في آخر أيامه.. الراجل طول عمره كان له هيبة وكلمة وسط المنطقة، ومكونش عايزين حد يبص له بنظرة شفقة أو يقول ده الراجل خرف.. وجوزك كان مكسوف ومحرج جداً يقعد معاكي في أول أيام جوازكم ويقولك إن أبوه مريض بالمرض ده، كان خايف تضايقي أو تخافي أو تحسي إنك اتدبستي في عيلة فيها حد مريض.
أنا لساني اتعقد، والكسف أكل وشي.. افتكرت كل لحظة اتأفأفت فيها، وكل مرة خبيت فيها هدومي وأنا متضايقة، وحسيت بذنب رهيب يهد جبال.
بس حماتي كملت كلامها وهي بتنهد بتعب شديد بس الموضوع مبقاش بس حمام يا ألاء.. المرض بيزيد عليه بسرعة رهيبة وبقى يخرج عن
سيطرتنا.. ده الأسبوع اللي فات بس، بينزل من البيت من غير ما نحس، ويخبط على جيراننا في أول الشارع يطلب منهم كوباية شاي! رغم إننا بنبقى لسه شاربين الشاي وسامعين كلامه وعاملينله كل اللي عايزه، بس عقله بيفصل فجأة ويتهيأله إنه معندوش أكل ولا شرب في البيت!
واستطردت وهي بتبكي بحرقة والأسبوع اللي قبله، فتح باب الشارع ومشي في الشارع بالجلابية البيضا، وفضلنا نلف عليه المنطقة كلها أنا وجوزك زي المجانين لحد ما لقيناه قاعد على الرصيف مش عارف هو فين ولا عارف يرجع إزاي.. جوزك بيطلع ينام ساعة بالعافية وبيجري وراه، وشايل هم كبير أوي فوق طاقته، وكان مكسوف يصارحك عشان متشيليش الهم من أول شهر جواز وتفكري إن حياتك اتدمرت.
نقطة التحول.. من الضيق إلى الرحمة
في اللحظة دي، حسيت إن جبل من الخجل نزل على دماغي. افتكرت جوزي لما كان بيسكت ويقولي استحملي يا ألاء شوية والموضوع هيعدي.. أثره كان شايل الهم لوحده، بين ناريين نار إنه يحافظ على كرامة أبوه ويستر مرضه، ونار إنه شايف مراته العروسة الجديدة متضايقة ومش عارف يبرر لها من غير ما يكشف سر أبوه!
نزلت دموعي وأنا بمسك إيد حماتي وببوسها حقك عليا يا أمي.. أنا آسفة، والله ما كنت أعرف.. أنا افتكرت الموضوع مجرد رخامة أو فرض سيطرة، مكنتش أتوقع أبداً إن فيه كل الوجع ده!
حماتي حضنتني وقالتلي ولا يهمك يا بنتي، إنتي معذورة.. محدش يلومك، إنتي عروسة ومن حقك تاخدي راحتك في بيتك، بس أنا قلت لازم أقولك عشان بلاش تزعلي من جوزك ولا
تضغطيه.. هو حيلته هدت من التفكير.
طلعت شقتي فوق وأنا إنسانة تانية خالص. النظرة اللي كنت باصة بيها للموضوع اتغيرت 180 درجة. الضيق والزهق اتحولوا لشفقة ورحمة وحب عميق لجوزي اللي شايل الهم ده كله لوحده وصابر عشان متكدرش.
أول ما دخلت الشقة، لقيت جوزي قاعد في الصالة حاطط راسه بين إيديه، باين عليه التعب والهم.. قربت منه بالراحة وقعدت جنبه.
رفع راسه وبص لي بخوف ورجاء، كأنه خايف أكون اتخانقت مع أبوه أو عملت مشكلة.
سألني بصوت واطي ألاء.. إنتي كلمتي بابا؟
مسكت إيده وابتسمت له بابتسامة هادية ومليانة حنية وقلتله أنا عرفت كل حاجة يا أحمد.. طنط حكتلي على كل حاجة.
أحمد بص لي بصدمة، ودموعه نزلت فجأة كأن سد اتفتح فجأة بعد طول كبت. غطى وش بإيديه وبكى بصوت مسموع والله العظيم مكنتش عايز أخبي عليكي يا ألاء.. بس كنت خايف تقرفي، أو تخافي، أو تحسي إن حياتك معايا هتبقى نكد.. أبويا كان راجل طول بعرض، كان بيقف في وش أي مشكلة يحلها.. صعب عليا أقولك إن أبويا المرض بياكل في عقله وبقى يتصرف التصرفات دي!
حضنته وقلتله بكل صدق يا حبيبي متقولش كده.. أبوك هو أبويا، وده ابتلاء من ربنا، وإحنا لازم نقف جنبه ونستره.. كفاية إنك شايل الهم ده لوحدك ومحسستنيش بحاجة. من النهاردة أنا معاك إيد بإيد، وأبوك ده في عينيا.
خطه جديدة للبيت
من اليوم ده، كل حاجة اتغيرت في البيت. أعدنا ترتيب حياتنا بشكل كامل عشان نتماشى مع وضع حمايا ونوفر له الأمان وفي نفس الوقت نحافظ على حياتنا.
أولاً
أمان الباب جوزي غير أقفال الشقق.. عملنا ترباس عالي في باب الشقة تحت وفوق، بحيث حمايا ميعرفش يفتحه لوحده وينزل الشارع في غفلة مننا، عشان نحميه من إنه يتوه تاني.
ثانياً الحمام بتاعي مبقاش فيه حاجة اسمها إحراج.. حطينا إينتيركوم سماعة بين الشقتين، ولما حمايا يحب يطلع، حماتي تضربلي جرس صغير، أعرف إن عمي طالع، أجهز نفسي وألبس إسدالي وأحضر له الحمام وأعطره، وأستقبله بابتسامة وورود!
ثالثاً الرعاية والدعم بقينا نعمل جدول بيني وبين حماتي وجوزي، أوقات ينزل جوزي يقعد مع أبوه يفك عنه، وأنا أنزل أساعد حماتي في الطبيخ والتنظيف، ونعمل له الشاي اللي بيحبه قبل ما يطلب من الجيران.
وفي يوم من الأيام، سمعنا الخبط الشهير على الباب.. فتحت أنا المرة دي بنفسي وأنا لابسة الإسدال ومبتسمة.
لقيت حمايا واقف بابتسامته التايهة، وقال بصوته الهادي معلش يا ابني... قصدري يا بنتي.. عايز أدخل الحمام عشان الهوا هنا حلو.
ابتسمت له من كل قلبي وقلتله تنور يا بابا.. الحمام جاهز ومتقاد فيه معطر كمان، ادخل براحتك خالص الشقة شقتك!
دخل حمايا، وبعد ما خرج، وقفته في الصالة وجبت له حتة كيكة وكوباية شاي دافية.. قعد أكلها وهو بصص لي بنظرة ارتاح لها قلبي، كأنه حاسس بأمان حتى لو مش فاكر أنا مين بالظبط.
المرض ابتلاء صعبة أوي، والزهايمر بالذات بياخد أحبابنا مننا وهم حيين قدام عينينا.. بس الرحمة والتفهم بيخففوا أي هم. حياتي مع جوزي بقت أقوى وأعمق
بكتير من الأول، لأننا بدأنا جوازنا بدرس غالي
أوي في الصبر، والستر، والتضحية.

تم نسخ الرابط