سمعت امي بتعيط في البلكونه
المحتويات
كله.. بس هو دلوقتي راجل كبير ومريض وضعيف، وعينيه الاتنين رايحين ومبيشوفش.. أرجوك يا دكتور لو في حاجة بينكم زمان أو تارت قديمة بلاش تطلّعها فيه، أبويا مش مستحمل نفخة هوا!
رد عليا بذهول أطلّعها فيه؟!
وضحك ضحكة غريبة جداً، ضحكة كلها قهرة ووجع كأنه بيعاقب نفسه، ودمعة يتيمة حارة نزلت من عينه اللي شافت آلاف العمليات الجراحية المعقدة ومارفتش. نزل الدكتور الكبير على ركبتيه على الأرضية الرخام الباردة، لم التقارير الطبية بنفسه بإيدين بتترعش، وباس الورقة اللي عليها اسم أبويا وحطها على راسه!
المنظر كان صادم ليا ولمراته ولطاقم التمريض اللي واقف يتفرج من بعيد ومحدش مصدق إن الدكتور رؤوف السويفي بجلالة قدره بيعمل كده. قام وقف، وبص لمراته وقالها والدموع مغرقة وشه
يا نادية.. الست اللي انتي جبتيها من الميكروباص دي، مش مجرد حالة خيرية هنعملها عملية ونكسب فيها ثواب. الست دي بنت الراجل اللي بفضله رؤوف السويفي بقى دكتور وعايش بكرامته! الراجل اللي شال عني حبل المشنقة والفضيحة من ٣٥ سنة، ودفع التمن من شبابه وعمره ونور عينيه عشان أنا أعيش وأتعلم وأبقى الجراح اللي انتي فخورة بيه!
بصلي ومسك إيدي كأني طوق نجاة، وقال بنبرة فيها أمر ورجاء في نفس الوقت
مفيش دقيقة تضيع.. عربيتي الخاصة تحت أمرك، ومعاها طاقم مسعفين مجهزين، يروحوا يجيبوه من بيته فوراً.. لا، أنا اللي هروح بنفسي أجيبه على كتافي!
قلتله بخضة وأنا بفرك إيدي
يا دكتور أبويا لو شاف لحضرتك ممكن يتصدم، هو ميعرفش إني جيت هنا أصلاً، ده غير إنه رافض يخرج من البيت بسبب حالته النفسية السيئة بعد ما العتمة غطت عينيه وبقى حاسس إنه عبء عليا.
قالي بنبرة أب حنون
عشان خاطري يا بنتي.. اسبقيني إنتي في عربيتي، مهدي له الموضوع براحة، قوليله بس إن ابن العمدة اللي هو فداه بروحه زمان، مستنيه عشان يردله الأمانة اللي في رقبته من سنين.. روحي بسرعة وأنا مجهز أوضة العمليات وأكبر جناح في المستشفى تحت أمره، بس لازم ييجي النهاردة، أنا مش هنام غير لما عبد الرحمن شاكر يرجعله نور عينيه!
نزلت من المستشفى وأنا حاسة إني في حلم. ركبت العربية المرسيدس السودا الفخمة اللي السواق فتحلي بابها باحترام شديد كأني أميرة. طول الطريق وأنا ببص من الشباك، بفتكر الست العجوزة اللي اديتها الألف وثمانمية جنيه، وبفتكر دعواتها اللي طالعة من قلب محروق ربنا يقيم لك سوق الحظ من وسع ويفتح لك الأبواب المقفولة. الباب مش بس اتفتح، ده اتخلع من مكانه! ربنا سبحانه وتعالى كريم أوي، بيسبب الأسباب بطريقة تخلي العقل البشري يعجز عن التفكير، ويقين العبد في ربه بيغير مقادير الكون في لحظة.
وصلت الحارة بتاعتنا، العربية الفخمة وقفت قدام بيتنا البسيط المتهالك، والناس كلها بتبص بذهول وعلامات الاستفهام على وشوشهم. طلعت السلم جري كأن ليا جناحات، دخلت الشقة، لقيت أبويا قاعد في مكانه المعتاد على الكرسي الخشب القديم، ماسك عكازه، ووشه في الأرض، بيسبح بصمت وهدوء تام.
قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه. اتنفض بخفة وقالي بصوته الضعيف
رجعتي يا نور؟ عملتي إيه يا بنتي؟ قلبي كان مقبوض عليكي من ساعة ما نزلتي الفجر، روحتوا للدكتور الجشع ده؟
قعدت تحت رجليه، ومسكت إيده الخشنة اللي شقيت عليا طول العمر وبوستها، ودموعي نازلة غصب عني من الفرحة والرهبة
يا بابا.. أنا مروحتش للدكتور ده أصلاً.. ربنا بعتلي دكتور تاني خالص، دكتور كبير أوي ومشهور، حكيت لمراته ظروفنا صدفة.. طلع اسمه الدكتور رؤوف السويفي.
أول ما نطقت الاسم.. جسم أبويا اتخشب تماماً كأنه اتضرب بصاعقة كهربائية! عكازه وقع من إيده على الأرض بصوت رن في الأوضة الساكتة. عينيه المعتمة اتسعت كأنه شايفني، ووشه اتخطف لونه وبقى أبيض زي الشمع القديم. صوته طلع مخنوق، بيترعش بخوف ورعب عمري ما شفته فيه قبل كده طول حياتي
رؤوف السويفي؟! ابن العمدة؟! إنتي عرفتي الطريق ده منين يا بنتي؟! قوليلي إنك مجبتيش سيرتي.. قوليلي إنك مقولتيلوش أنا مين ولا ساكن فين!!
استغربت جداً من رد فعله المرعب وقولتله بحيرة
يا بابا هو اللي عرفك من التقارير، وهو اللي بعتني أجيبك عشان يعملك العملية ويردلك الجميل اللي في رقبته من ٣٥ سنة! هو قالي أقولك إن ابن العمدة مستنيك.
قام أبويا وقف فجأة وهو بيتخبط في الكراسي وبيزعق بصوت مرعوب، كأن ماضي أسود صحي من قبره عشان يبلعنا
جميل إيه وأمانة إيه؟! الدكتور رؤوف ميعرفش الحقيقة! ميعرفش اللي حصل ليلتها في الدوار! لو عرف إني لسه عايش وإن إنتي بنتي.. مش هيعالجني يا نور.. هيقتلني ويقتلك معايا! إحنا لازم نمشي من هنا حالاً.. لمي هدومك بسرعة قبل ما يوصلنا ونهرب في أي داهية!
وقبل ما أستوعب كلام أبويا، أو أسأله يعني إيه هيقتلنا وهو كان بيبكي على الورق اللي عليه اسمك، سمعت صوت فرامل عربيات كتير وقفت تحت البيت، وصوت خطوات تقيلة بتجري طالعة السلم بسرعة. الباب خبط بقوة، وسمعت صوت الدكتور رؤوف من بره بينادي بشوق ولهفة
يا عبد الرحمن! افتح يا أخويا.. افتح أنا رؤوف!
أبويا مسك إيدي جامد، وضغط عليها لدرجة وجعتني، وقاللي بهمس بيرجف
متفتحيش.. أوعديني إنك مش هتتكلمي.. السر اللي شيلته ٣٥ سنة هيدمرنا
متابعة القراءة