عيد ميلاد بنتي حكايات حماده
اتأكدت إن محدش موجود.
فتحت شنطتها.
طلعت منها زجاجة صغيرة جدًا، من غير أي استيكر.
فتحت غطاها.
وسكبت منها كام نقطة في مج ليان بس.
مش في الإزازة الكبيرة...
ولا في باقي الأكواب.
مج ليان وحده.
بعدها قلبت العصير بالمعلقة، ومسحت طرف المج بمنديل، ورجعت الزجاجة في الشنطة.
الصمت خيم على المكان.
أمي حطت إيديها على بقها.
أبويا اتسند على الحيطة.
أما سمر...
فقالت بسرعة وهي بترتعش:
"دي... دي كانت فيتامينات للأطفال... والله."
كريم وقف قدامها وقال:
"لو فيتامينات... ليه بصيتي حواليكي قبل ما تحطيها؟"
سكتت.
"وليه حطيتيها في مج ليان بس؟"
برضه سكتت.
في اللحظة دي...
رن جرس الباب.
كان أمين الشرطة ومعاه ضابط مباحث.
واضح إن المستشفى بلغت تلقائيًا عن اشتباه تسمم لطفلة.
الضابط دخل وقال:
"مين صاحب البيت؟"
كريم قال:
"أنا."
وسلمه فلاشة صغيرة.
وقال بهدوء:
"كل اللي محتاجينه موجود هنا."
سمر حاولت تتحرك ناحية الباب.
لكن الضابط وقف قدامها.
وقال:
"حضرتك هتتفضلي معانا شوية."
صرخت:
"إنتوا هتقبضوا عليا عشان كام نقطة فيتامين؟!"
الضابط رد بهدوء:
"ده المعمل هو اللي هيحدد."
لكن قبل ما تتحرك...
خرج صوت من والدتي، لأول مرة منذ سنوات:
"قولي الحقيقة يا سمر... عملتي إيه؟"
سمر انهارت على الكرسي.
وبدأت تبكي.
ثم قالت جملة جعلت الجميع يشعر وكأن الهواء اختفى من الغرفة:
"أنا... ما كنتش عايزة أقتل ليان..."
"أنا كنت عايزة أوصل الرسالة لأختي بس..."
لكن الاعتراف الكامل كشف دافعًا صادمًا، وأثبت أن ما حدث لم يكن بسبب غيرة عائلية فقط... بل بسبب ثروة ضخمة كانت سمر مستعدة أن تضحي بأي شخص للحصول عليها.
يتبع...
الجزء الثالث
الغرفة كلها سكتت.
حتى الضابط، اللي أكيد سمع مئات الاعترافات قبل كده، فضل يبص لسمر من غير ما ينطق.
أنا كنت واقفة مكاني، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
قلت بصوت مكسور:
"رسالة؟... بنتي كانت هتموت عشان توصلي لي رسالة؟"
انهارت سمر في البكاء، لكنها كانت بتبكي على نفسها، مش على ليان.
قالت وهي تمسح دموعها:
"أنا مكنتش متخيلة إنها هتوصل لكده... الراجل اللي اداني المادة قال إنها مجرد مهدئ، يخليها تنام شوية وتتعب كام ساعة... وبعدها الكل هيقول إنك مهملة ومش بتعرفي تهتمي ببنتك."
سألها الضابط بحدة:
"مين الراجل ده؟"
ترددت لثوانٍ، ثم قالت اسمًا جعل أبي يشحب وجهه.
"المحاسب... الأستاذ أشرف."
أشرف لم يكن شخصًا غريبًا.
كان المدير المالي لشركة العائلة، والرجل الذي يدير كل الحسابات منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.
نظر أبي إلى الأرض وكأنه فقد القدرة على الكلام.
قال بصوت مرتجف:
"مستحيل... أشرف معانا من زمان."
ابتسم الضابط ابتسامة خفيفة وقال:
"للأسف... الجرائم الكبيرة غالبًا بيكون وراها ناس قريبين."
التفت إليّ وسأل:
"حضرتك قلتي قبل كده إن كان فيه خلاف على أسهم الشركة؟"
هززت رأسي.
"أيوه... أختي كانت بتحاول تقنع بابا يحطني تحت الوصاية بحجة إني غير مستقرة نفسيًا."
أخرج الضابط دفترًا صغيرًا ودوّن المعلومة.
ثم قال:
"يبقى لازم نراجع كل أوراق الشركة."
...
في نفس الوقت، رن هاتف كريم.
كانت الطبيبة من المستشفى.
رد بسرعة، وكلنا كنا بنراقب ملامحه.
ثم أغلق الهاتف ونظر إليّ.
ابتسم لأول مرة منذ ساعات.
وقال:
"ليان فاقت."
انهرت في البكاء.
لكن الطبيبة أضافت خبرًا آخر.
تحليل العينة أثبت أن المادة الموجودة في العصير ليست فيتامينًا ولا مهدئًا، بل دواء قوي يُستخدم بجرعات محددة، وأي طفل في سن ليان ممكن يدخل في غيبوبة بسببه.
يعني...
لو الإسعاف اتأخر عشر دقائق فقط...
كان ممكن نخسرها.
نظر الضابط إلى سمر وقال:
"الوضع اختلف تمامًا."
في تلك اللحظة، فقدت سمر كل قوة كانت تتظاهر بها.
جلست على الأرض وهي تردد:
"أشرف قال إن محدش هيكتشف حاجة... أقسم بالله قال كده."
لكن الضابط أجابها ببرود:
"هو هيقول أقواله... وإنتِ هتقولي أقوالك... والمحكمة هي اللي هتفصل."
خرجت سمر من البيت بين أفراد الشرطة، بينما كانت أمي تبكي، وأبي يقف كأنه كبر عشرين سنة في ليلة واحدة.
أما أنا...
فكنت أعرف أن القصة لم تنتهِ.
لأن اسم أشرف لم يكن مجرد اسم.
كان المفتاح الذي سيكشف سرًا أخفته شركة العائلة لسنوات... سرًا أكبر بكثير من محاولة إيذاء طفل.
وفي صباح اليوم التالي، عندما فتحت الشرطة خزنة مكتب أشرف، عثروا على مستندات قلبت القضية كلها رأسًا على عقب...
يتبع...
الجزء الأخير
في صباح اليوم التالي، توجهت قوة من المباحث إلى مقر شركة العائلة بعد صدور إذن من النيابة بتفتيش مكتب أشرف.
كان أبي يجلس في مكتبه شاحب الوجه، غير مصدّق أن الرجل الذي ائتمنه على أموال الشركة لأكثر من خمسة عشر عامًا قد يكون وراء كل ما حدث.
فتح الضابط خزنة المكتب.
في البداية ظهرت ملفات محاسبية عادية...
ثم ظرف بني سميك.
داخله عقود، وكشوف حسابات، وتحويلات مالية بأسماء شركات لم يسمع بها أحد من قبل.
استغرق فحص المستندات ساعات، لكن النتيجة كانت صادمة.
أشرف كان يختلس ملايين الجنيهات من الشركة منذ سنوات، ويخفي العجز بتزوير الميزانيات.
لكن قبل ثلاثة أشهر، كنت أنا أول من لاحظ وجود أرقام غير منطقية في التقارير، وطلبت مراجعة شاملة للحسابات.
حينها أدرك أشرف أن سقوطه أصبح مسألة وقت.
ولأنه لم يكن يستطيع الوصول إليّ مباشرة، وجد في سمر الشخص الذي يمكنه التأثير عليه.
أقنعها بأنني إذا فقدت ثقة العائلة، أو ظهرت بمظهر الأم المهملة، فسيفقد الجميع ثقتهم أيضًا في أي اتهامات أوجهها له، وستُستكمل إجراءات نقل صلاحياتي داخل الشركة.
أما سمر...
فكانت غاضبة منذ سنوات، تظن أنني السبب في أن والدي كان يثق بي أكثر في العمل.
تركت الغيرة تعميها، وصدقت أكاذيب أشرف.
لكنها لم تتخيل أن الأمر قد يعرّض حياة ليان للخطر.
بعد أسبوعين، أكدت تقارير الطب الشرعي أن المادة الموجودة في العصير هي دواء لا يجوز إعطاؤه للأطفال إلا في ظروف طبية محددة، وأن تناوله خارج إشراف طبي كان سببًا مباشرًا في انهيار حالة ليان.
تعافت ليان تدريجيًا، وعادت إلى بيتها بعد أيام، وكان أول طلب لها وهي تحتضنني:
"ينفع نعمل عيد ميلاد تاني يا ماما؟... المرة دي من غير ما حد يزعق."
لم أتمالك نفسي، واحتضنتها بقوة.
بعد عدة أشهر، صدر الحكم.
نال أشرف عقوبة مشددة بعد إدانته بالاختلاس والتزوير والتحريض على ارتكاب الجريمة.
أما سمر، فأُدينت وفق ما أثبتته التحقيقات والأدلة المصورة واعترافاتها، وحصلت على حكم بالسجن.
خرجت من المحكمة وهي تنظر إليّ، تنتظر أن أبادلها النظرة.
لكنني لم أفعل.
بعض العلاقات لا يكسرها الغضب...
بل تكسرها الخيانة.
بعد انتهاء القضية، باع أبي الشركة لمستثمر جديد، وقرر التقاعد.
وفي إحدى الأمسيات، جلس بجواري وقال بصوت خافت:
"أنا خسرت بنت وأنا عايش... لأني فضلت أصدق الأقرب ليا، بدل ما أصدق الحقيقة."
أمسكت بيده وقلت:
"اللي فات مينفعش يتغير... لكن اللي جاي لسه بإيدينا."
ابتسم لأول مرة منذ شهور.
أما ليان...
ففي عيد ميلادها الثامن، أطفأت الشموع وهي تضحك، ثم نظرت إليّ وقالت:
"المرة دي العصير من إيدك إنتِ يا ماما."
ضحك الجميع.
ولأول مرة منذ زمن طويل...
كان البيت مليئًا بالطمأنينة بدلًا من الخوف.
النهاية.