رجعت البيت بدري
لسه هتتفاجئ بالمصيبة الأكبر.
لما حاولت تفتح باب البيت
البصمة ما اشتغلتش.
كارت الدخول اتلغى.
وأفراد الأمن وقفوا قدامها وقالوا باحترام
آسفين يا هانم عندنا تعليمات محدش يدخل غير بإذن الأستاذ كريم.
وقتها بس
بدأت تتصل بيا.
مرة
واتنين
وعشرين مرة.
لكن لأول مرة في حياتي
سيبت موبايلها يرن
من غير ما أرد.
الجزء الثالث
تلات أيام كاملة.
تليفوني ما وقفش رن.
أمي تبعت رسايل
إنت هتصدق مراتك وتكذب أمك؟
وبعدها
لو مردتش عليا، يبقى تنسى إن ليك أم.
أما أحمد، فكان بيكلمني كل شوية.
مرة يهدد
ومرة يشتم
ومرة يمثل إنه مظلوم.
لكن ولا واحد فيهم كان يعرف إن كل حاجة بقت موثقة بالصوت والصورة.
أول ما الدكتور طمني إن ياسمين حالتها بقت مستقرة، قررت أرجع الفيلا.
مش لوحدي.
دخلت وأنا معايا المحامي، والأستاذة منى الموثقة، واتنين من أفراد الأمن.
حطيت على السفرة أربع ملفات كبار.
ملف التقارير الطبية.
وملف كشف الحساب.
وملف صور الكاميرات.
وفي النص
فلاشة صغيرة.
كانت هي نهاية كل حاجة.
بعد دقايق
دخلت أمي وأحمد.
وشوشهم كلها غضب.
أول ما شافتني، أمي قالت بصوت عالي
إيه قلة الأدب دي؟! تمنعني أدخل بيتي؟
بصيتلها بهدوء.
ده مش بيتك يا أمي ده بيتي.
صرخت وهي بتخبط بإيديها على الترابيزة.
أنا ربيتك! كل اللي إنت فيه بسببي!
قبل ما أرد
وصلت الفلاشة بالشاشة الكبيرة.
اشتغل أول فيديو.
ظهر فيه ياسمين وهي بتمسح الأرض على ركبتها.
وأمي واقفة فوق دماغها.
اعمليها تاني.
ثاني فيديو.
ياسمين واقفة مستنية الكل يخلص أكل.
وأمي بتحطلها طبق فيه بواقي.
ثالث فيديو.
أحمد بيفتح شنطة ياسمين، وياخد منها الكارت البنكي وهو بيضحك.
أمي كانت باصة للشاشة وساكتة.
أما أحمد
فاللون اختفى من وشه.
قال بسرعة
الفيديوهات دي متفبركة.
المحامي فتح ملف قدامه.
كل التسجيلات خرجت من أجهزة المراقبة الأصلية، ومتفرغة رسمي.
أمي قامت ناحية الشاشة.
اقفل الزفت ده.
قلت لها
لسه في حاجات ما شوفتيهاش.
شغلت التسجيل الصوتي.
صوتها كان واضح.
بعد الولادة هنقول إنها تعبانة نفسيًا والولد يفضل معانا.
أحمد ضحك في التسجيل.
وكريم؟
هعرف أضحك عليه.
الصمت نزل على المكان.
حتى الأمن كانوا مصدومين.
أحمد حاول يغير الموضوع.
يعني عامل كل الفيلم ده عشان كام مليون جنيه؟
فتحت كشف الحساب.
ورميته قدامه.
اقرأ.
فضل يقلب الصفحات.
كل تحويل باسمه.
كل عملية شراء.
كل فاتورة.
كل جنيه.
المحامي قال بهدوء
إجمالي المبالغ اللي اتصرفت بدون وجه حق تجاوز اتنين مليون جنيه.
وبعدين طلع ملف تاني.
وده تقرير المراجعة المالية.
فتح الملف.
في فواتير مضروبة.
وفي تحويلات من حسابات الشركة.
وفي مستندات عليها توقيعك.
أحمد اتوتر.
أنا أنا كنت بنفذ تعليمات.
بصيت له.
تعليمات مين؟
بص ناحية أمي
وسكت.
أمي أخيرًا اتكلمت.
كل ده عادي بين الأهل.
ضحكت
بس ضحكة كلها وجع.
الأهل؟
الأهل مش بيجوعوا واحدة حامل.
الأهل مش بيذلوها.
الأهل مش بيسرقوا فلوس علاجها.
لأول مرة
أمي معرفتش ترد.
الموثقة حطت قدامها مجموعة أوراق.
اتفضلي.
بصتلها باستغراب.
إيه ده؟
قلت
قرارات نهائية.
فتحت أول ورقة.
الفيلا بقت ضمن صندوق حماية قانوني.
المستفيد الوحيد منه
ياسمين وابني.
الورقة التانية.
إلغاء كل التوكيلات والصلاحيات البنكية.
الورقة التالتة.
منع أي حد من عيلتي يتصرف في أي أصل من أملاكي.
أما آخر ورقة
فكانت إنذار رسمي.
لازم هي وأحمد يسيبوا الفيلا النهارده.
أمي قامت واقفة.
أنا مش همشي.
رديت بهدوء
يبقى الأمن هيخرجك.
بصتلي بصدمة.
هتعمل كده في أمك؟
قلت وأنا باصص في عينيها
أنا كان ممكن أدفن مراتي وابني بسبب اللي عملتيه.
من يومها بقيت أعرف مين المظلوم ومين الظالم.
وساعتها
ولأول مرة في حياتها
الحاجة فاطمة عرفت إن كلمة أنا أمك ما بقتش كفاية تمحي كل اللي عملته.
الجزء الرابع
أمي كانت واقفة في نص الصالة، بتبصلي كأني شخص غريب عمرها ما شافته.
وفجأة بدأت تعيط، وتضرب على صدرها وهي بتقول
يعني بعد العمر ده كله هترميني في الشارع عشان واحدة ست؟!
زمان
الكلمة دي كانت كفاية تكسرني.
كنت أول واحد يجري يصالحها، ويعتذر حتى لو أنا معملتش حاجة.
لكن المرة دي
افتكرت ياسمين وهي قاعدة تحت السفرة، بتاكل بواقي الأكل وهي حامل في ابني.
افتكرت ركبها وهي كلها كدمات.
وافتكرت كلام الدكتور
كنتوا هتخسروا الأم والطفل.
بصيت لأمي بهدوء وقلت
أنا مش برميكي في الشارع.
أشرت للمحامي، فطلع ملف صغير.
البيت اللي في البلد لسه باسمك، وهيكون ليكي معاش شهري يكفي أكلك وشربك وعلاجك.
استغربت.
يعني هتفضل تصرف عليا؟
هزيت راسي.
لأنك أمي ودي مسؤوليتي.
لكن لا هتعيشي في بيتي تاني ولا هيكون ليكي سلطة على مراتي أو ابني.
وشها اتغير.
واضح إنها كانت فاكرة إني هسامحها وأرجع كل حاجة زي الأول.
لكن خلاص
الباب ده اتقفل.
أما أحمد
فكان واقف ساكت من أول الجلسة.
لحد ما فجأة قرب من أمي وقال بعصبية
هاتي الشنطة.
بصتله باستغراب.
شنطة إيه؟
شد الشنطة من إيدها بعنف.
الدهب اللي فيها أنا محتاجه.
صرخت فيه
إنت اتجننت؟!
قال وهو بيشدها أكتر
أنا عليا ديون والناس بتدور عليا.
هاتيه.
رفضت.
راح زاقها جامد.
كانت هتقع على الأرض
لكن فرد الأمن لحقها قبل ما تخبط.
الشنطة وقعت.
والدهب اتناثر على الأرض.
أمي بصت لأحمد بذهول.
إنت بتعمل فيا كده؟
رد عليها بمنتهى البرود
ما إحنا وصلنا للي إحنا فيه بسببك.
لو مكنتيش بهدلتي مرات كريم مكانش عرف أي حاجة.
أمي كانت واقفة مش قادرة تنطق.
كل السنين اللي دافعت عنه فيها
وغطت غلطاته
وصرفت عليه ملايين
وفي الآخر أول ما وقع
كان أول واحد يبيعها.
مسكت في هدومه وهي بتعيط.
أنا عملت كل ده عشانك يا أحمد.
نفض إيدها بقسوة وقال
اعملي حاجة مفيدة بقى خليه يتنازل عن المحاضر.
في اللحظة دي
أنا شفت الحقيقة كاملة.
أمي ضحت بإنسانة بريئة
وعذبتها
عشان ابن عمره ما حبها.
حب فلوسها بس.
أشرت للأمن.
اتفضلوا.
الأمن خد أحمد برا.
وهو لسه بيشتم ويزعق.
بعدها خرجت أمي ببطء.
وقفت عند باب الفيلا.
لفت وبصتلي آخر مرة.
وقالت بصوت كله كره
هتندم.
الست دي هتسيبك زي غيرها.
ابتسمت لأول مرة.
وقلت
لو ياسمين سابتني يوم، هيكون حقها.
أنا مش هحبسها بالذنب ولا بالمعروف ولا بكلمة أنا عملتلك.
الحب عمره ما كان سجن.
فضلت تبصلي كام ثانية
وبعدين خرجت.
الباب اتقفل.
ولأول مرة من سنين
البيت كان هادي.
بس الهدوء ده
كان تمنه غالي جدًا.
رجعت المستشفى بعدها مباشرة.
دخلت أوضة ياسمين.
كانت لسه نايمة من تأثير العلاج.
مسكت إيدها بهدوء.
بعد شوية فتحت عينيها.
أول حاجة قالتها
مامتك زعلانة مني؟
ساعتها حسيت إن قلبي اتقطع.
بعد كل اللي شافته
لسه خايفة تكون هي السبب.
قعدت جنبها.
ومسكت إيديها بين إيديا.
وقلت
إنتِ معملتيش حاجة غلط.
أنا اللي غلطت.
استغربت.
قلت وأنا بصص في الأرض
أنا كنت فاكر إن الفلوس بتحل كل حاجة.
اشتغلت ليل ونهار وسيبتك لوحدك.
وثقت في ناس مكانوش يستحقوا.
ومخدتش بالي إن الست اللي بحبها كانت بتموت بالبطيء وأنا بعيد.
بدأت دموعها تنزل.
قالت بصوت واطي
أنا كنت خايفة.
خايفة لو قولتلك تسيب شغلك.
أو تخسرك أمك.
هزيت راسي.
ولا شغل في الدنيا يستاهل أخسرك.
ولا حد حتى لو أمي.
حضنتها برفق.
ووعدت نفسي
إن من النهارده
ولا اجتماع
ولا صفقة
ولا فلوس
هيبقوا أهم من بيتي.
لأن النجاح الحقيقي
مش إنك تبني شركة كبيرة.
النجاح
إنك ترجع بيتك كل يوم، وتلاقي اللي بتحبهم عايشين بأمان.
الجزء الخامس والأخير
مرت أيام وأنا قاعد جنب ياسمين في المستشفى.
لأول مرة من سنين
كنت بعيد عن الاجتماعات، وعن ضغط الشغل، وعن الموبايل اللي مكنش بيسكت.
كنت بس مركز في حاجة واحدة
مراتي وابني.
الدكتور كان بيتابع الحمل يوميًا.
وفي كل مرة يدخل فيها الأوضة، كان وشه يقول إن الموضوع مش سهل.
لحد ما في يوم دخل وقال
يا أستاذ كريم، لازم نحدد ميعاد للولادة.
قلبي اتقبض.
في مشكلة؟
رد بهدوء
البيبي صغير ومحتاج متابعة، والأفضل نعمل قيصرية قبل ما يحصل أي ضغط عليه.
بصيت لياسمين.
كانت خايفة.
مسكت إيدها وقلت
أنا معاكي.
يوم العملية
كنت واقف قدام باب غرفة العمليات، وإيدي بتترعش.
الغريب إني واجهت صفقات بملايين، وخسرت وكسبت، ودخلت اجتماعات صعبة
لكن اللحظة دي كانت أصعب من أي حاجة.
لأن المرة دي
كان عندي حاجة أخاف أخسرها.
بعد وقت طويل
سمعت صوت بكاء صغير.
أول صوت لابني.
خرجت الممرضة وهي مبتسمة.
مبروك يا أستاذ كريم ولد.
دخلت عند ياسمين.
كانت مرهقة جدًا، لكن أول ما شافتني ابتسمت.
قربت منها، وحطيت جبيني على إيدها.
وقلت
أنا آسف.
بصتلي وقالت
على إيه؟
قلت
على كل مرة كنت مشغول فيها عنك.
على كل مرة صدقت كلام غيرك أكتر من إحساسي بيكي.
على كل مرة افتكرت إن توفير الفلوس معناه