نادلة ممتلئة
نادلة ممتلئة همست الجلوس بيوجعني... وكان أخطر رجل في القاهرة هو الوحيد اللي سألها ليه؟
الساعة كانت 917 مساءً يوم السبت، وأكتر من مئتي شخص من كبار رجال الأعمال والضيوف كانوا بيضحكوا، بينما ندى فؤاد كانت بتترجى إنها ما تقعدش.
الضحك بدأ قدام المسرح، لما صاحب مطعم الكرمة والبيت طلب من كل العاملين يقفوا يتصوروا تحت لافتة كبيرة مكتوب عليها
موظفونا... عيلتنا.
وقفت ندى في آخر الصف، لابسة يونيفورم أسود، وممسكة ظهر الكرسي بكل قوتها لدرجة إن صوابعها بقت بيضا.
همست لمديرها
أرجوك... ينفع أفضل واقفة في الصورة؟
بصلها كمال رشدي، مدير المطعم، ثم بص للضيوف اللي بيتفرجوا عليهم.
وقال ببرود
بطلي تعملي شو.
والله مش قصدي.
يبقى اقعدي.
اختفى اللون من وش ندى.
وقالت بصوت مرتعش
الجلوس بيوجعني.
بص لها كمال من فوق لتحت، ووقف بعينه عند جسمها الممتلئ، وابتسم بسخرية.
متقلقيش... الكرسي هيستحمل.
سمع كام شخص الجملة.
في ناس استخبت ورا كاسات العصير وهي بتضحك، وواحد ضحك بصوت عالي.
من وهي في الإعدادي، وندى متعودة تسمع كلمة تخينة.
زبائن يسخروا منها.
مديرين يعلقوا على شكلها.
وكل الناس كانت فاكرة إن أي وجع بتحسه سببه وزنها.
واتعلمت تبتسم وتسكت.
لكن الوجع ده...
ماكانش شبه أي حاجة قبل كده.
كان كأن سكينة مغروزة في آخر ضهرها.
رجلها اليمين بقالها تلات أيام بتنمل.
الصبح اكتشفت دم على هدوم الشغل.
وكانت حرارتها مرتفعة.
ورغم كده...
نزلت الشغل.
لأن بنتها ملك، اللي عندها سبع سنين، محتاجة بخاخ للربو، وإيجار الشقة متأخر بقاله اتناشر يوم.
كرر المدير بعصبية
اقعدي.
بدأت ندى تنزل نفسها على الكرسي ببطء.
وأول ما جسمها لمس المقعد...
خرجت منها صرخة مزقت القاعة كلها.
ركبها خانتها.
والكرسي وقع لورا.
والصينية اللي كانت شايلها اتقلبت على الأرض.
الكاسات الكريستال اتكسرت.
والعصير الأحمر انتشر على الرخام كأنه بقعة دم.
اختفى الضحك تمامًا.
اتكوّرت ندى على جنب، وإيدها على أسفل ضهرها.
شفايفها كانت بتترعش، لكنها حتى مش قادرة تعيط.
اتجه كمال ناحيتها وقال بعصبية
قومي بسرعة... قبل ما الأستاذ حسام الدمنهوري يشوف المنظر ده.
في اللحظة دي...
قام راجل من أهدى ترابيزة في القاعة.
قام بهدوء شديد.
لكن أول ما اتحرك...
كل الأصوات سكتت.
كأن حد ضغط زر كتم الصوت.
كان اسمه آدم المنصوري.
تسعة وتلاتين سنة.
عريض الكتفين.
شعره أسود.
لابس بدلة فحمية من غير كرافتة.
ماكانش شايل سلاح.
لأنه ببساطة...
ماكانش محتاج.
من أكتر من عشر
في ناس تقول رجل أعمال كبير.
وفي ناس تقول إنه زعيم أخطر إمبراطورية بتشتغل في الموانئ والاستثمارات.
الشرطة حاولت توصله سنين.
ورجال الأعمال كانوا بيخافوا يرفضوا له طلب.
أما اللي هدد عيلته قبل كده...
اختفى من البلد من غير ما حد يعرف راح فين.
آدم كان جاي المطعم يقابل صاحبه حسام الدمنهوري.
ماجاش عشان ينقذ نادلة.
لكن...
بينما كل الناس كانت باصة على الكاسات المكسورة...
هو كان باصص على وش ندى.
شاف العرق على جبينها.
شاف رعشة إيديها.
وشاف إن رجلها اليمين متنية بطريقة غريبة.
لكن أكتر حاجة شافها...
ماكانتش إحراج.
ولا تمثيل.
كانت...
خوف.
مد المدير إيده يمسكها.
فقال آدم بهدوء
سيبها.
اتجمد المدير مكانه.
يا أستاذ آدم... دي مشكلة خاصة بالموظفين.
رد من غير ما يعلي صوته
بقت مشكلتي من اللحظة اللي حاولت تجر فيها واحدة مصابة من على الأرض.
قال المدير بسرعة
هي مش مصابة... دي دايمًا بتبالغ.
قرب آدم أكتر.
حاولت ندى تقوم.
لكن الألم ضرب جسمها، فوقعت تاني.
قال لها بهدوء
ماتتحركيش.
ولما كلمها...
كان صوته أهدى بكتير.
إيه اللي حصل؟
همست
وقعت.
إمتى؟
من تلات أسابيع.
فين؟
بصت ناحية الممر اللي بيوصل لغرف كبار الزوار.
المدير لاحظ نظرتها.
فقال بعصبية
كفاية... قومي يا ندى.
لف آدم ناحيته.
وقال بنفس الهدوء
لو كلمتها بالطريقة دي مرة تانية...
هتقضي باقي الليلة كلها بتبرر لي أنا.
رجع المدير خطوة لورا.
نزل آدم على ركبته قدام ندى، وساب بينها وبينه مسافة تخليها تحس بالأمان.
رحتي لدكتور؟
قالت
المطعم جابلي واحد.
وقال إيه؟
مجرد كدمة.
فضل يبص في عينيها.
ثم قال
الكدمة مش بتعمل حرارة.
بلعت ريقها.
إنت مش هتفهم.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
جربي.
لفت ندى تبص حواليها.
من شوية...
كل الموجودين كانوا بيتكلموا عن الأعمال الخيرية اللي بيعملها المطعم.
دلوقتي...
بقوا مركزين في أطباقهم.
والعاملين واقفين جنب الحيطان، ملامحهم كلها تحذير.
كلهم...
عارفين الحقيقة.
ولا واحد فيهم مستعد يقولها.
همست بصوت يكاد ما يتسمعش
كريم الدمنهوري... ابن صاحب المطعم... زقني من على سلم قبو المخزن.
كان كريم قاعد على بعد عشر ترابيزات.
وأول ما سمع اسمه...
اختفت الابتسامة من على وشه.
كملت ندى قبل ما الخوف يغلبها
وقعت فوق رف حديد.
قلت لهم إني مش حاسة برجلي.
لكن الأستاذ حسام قال إني وقعت عشان تخينة... ومش بعرف أمشي على السلم.
امتلأت عيناها بالدموع.
وأجبروا كل الموظفين يمضوا على محاضر إنني وقعت
رفع آدم عينه ناحية كريم.
كان عنده اتنين وتلاتين سنة.
وسيم.
أنيق.
وعلى وشه ثقة واحد متعود إن أبوه يشتري له أي مخرج.
سألها آدم بهدوء
ليه زقك؟
أجابت وهي ترتجف
شفت حاجة... ماكانش المفروض أشوفها.
توقف لحظة، ثم سألها
شفتِ إيه؟
حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا تابع...
خفضت ندى رأسها، وكأن مجرد نطق الكلمات قد يكلّفها حياتها.
همست
كنت نازلة القبو أجيب صناديق العصير... لقيت كريم مع اتنين رجالة بيدخلوا كراتين من باب خلفي. الكراتين كان مكتوب عليها أدوات مطبخ... لكن واحدة منهم وقعت واتفتحت.
سألها آدم
وكان فيها إيه؟
ابتلعت ريقها.
فلوس... رزم فلوس. ومعاها فلاشات صغيرة وسلاح.
ساد الصمت.
تجمّد وجه كريم للحظة، ثم حاول يضحك.
دي مجنونة... أي كلام وخلاص.
لكن آدم لم ينظر إليه.
ظل ينظر إلى ندى.
وبعدها؟
قالت
أول ما شافني... جري ورايا على السلم. قالي لو اتكلمت محدش هيلاقي بنتي. حاولت أهرب... زقني. وقعت على الرف الحديد.
أغمضت عينيها وهي تتذكر الألم.
فضلت أصرخ... محدش نزل غير بعد ربع ساعة.
رفع آدم رأسه ببطء.
كانت ملامحه هادئة...
بشكل أخاف الموجودين أكثر من أي صراخ.
التفت إلى كمال.
كاميرات القبو شغالة؟
ارتبك المدير.
أ... أصل...
سألت سؤال.
كانت... كانت بايظة.
ابتسم آدم ابتسامة صغيرة.
غريب.
ثم أخرج هاتفه، واتصل برقم واحد فقط.
خالد... اقفل كل مخارج المطعم. محدش يخرج.
أنهى المكالمة.
بعد أقل من دقيقة...
توقفت ثلاث سيارات سوداء أمام المطعم.
دخل رجال بملابس رسمية، وانتشروا بهدوء عند الأبواب.
بدأ الضيوف ينظرون إلى بعضهم في قلق.
وقف حسام الدمنهوري غاضبًا.
آدم... إنت بتعمل إيه؟ ده مطعمي.
رد آدم دون أن يلتفت إليه
بحافظ على الأدلة.
ضحك حسام باستهزاء.
أدلة إيه؟ على كلام نادلة؟
هنا...
نظر إليه آدم للمرة الأولى.
وقال
لا.
ثم أشار إلى سقف القاعة.
على التسجيلات اللي حضرتك ناسي إنها بتتخزن تلقائيًا على سيرفر خارجي... مش على أجهزة المطعم.
اختفى اللون من وجه حسام.
أما كريم...
فتراجع خطوة للخلف.
فهم أن السر الذي ظن أنه اختفى...
ربما لم يختفِ أبدًا.
في تلك اللحظة دخل أحد رجال آدم مسرعًا.
قال بصوت منخفض
التسجيلات اتسحبت.
وفيها كل حاجة.
إغمض حسام عينيه لثانية.
أما كريم...
فاستدار فجأة وجرى نحو باب المطبخ.
لكن قبل أن يصل إليه...
كان رجلان قد أمسكا به.
صرخ
سيبوني! أنتم مالكم بيا؟
رد آدم بهدوء
اهتميت بيك متأخر... لكن مش متأخر كفاية.
في هذه
لاحظ آدم أن أنفاسها أصبحت سريعة.
انحنى بجوارها مرة أخرى.
ركزي معايا... الوجع فين دلوقتي؟
همست
ضهري... ورجلي... ومش حاسة بأصابعي.
نظر إليها نظرة مختلفة تمامًا.
ثم قال بحزم
استدعوا الإسعاف... حالًا.
اعترض حسام
مستشفى إيه؟ دي بتمثل!
لكن آدم قاطعه
لو كانت بتمثل...
ماكانش جسمها هيبقى داخل في تسمم من إصابة متسيبة تلات أسابيع.
بعد عشر دقائق...
وصلت سيارة الإسعاف.
وبعد الفحص الأول، تغيّرت ملامح الطبيب.
قال وهو ينظر إلى آدم
لو اتأخرت يومين كمان... كانت ممكن تفقد القدرة على المشي نهائيًا بسبب إصابة خطيرة والتهاب شديد.
بكت ندى لأول مرة.
ليس من الألم...
بل لأنها أدركت أن أحدًا أخيرًا صدقها.
نظر آدم إلى الطبيب وقال
اعملوا كل اللي تحتاجه... والمصاريف كلها عليّ.
ثم التفت إلى حسام وكريم، اللذين لم يعد أي منهما قادرًا على الكلام.
وقال بصوت هادئ
الليلة دي... بدأت بصورة تحت لافتة مكتوب عليها موظفونا... عيلتنا.
ثم نظر إلى ندى وهي تُنقل إلى سيارة الإسعاف.
وأضاف
ويبدو أن أول حد عاملتوه كأنه مش من العيلة... هو أكتر واحد هيغيّر حياتكم للأبد.
تمت تابع...
أغلقت أبواب المطعم، وتحول حفل رجال الأعمال إلى قاعة صامتة لا يُسمع فيها إلا همسات متقطعة.
كانت ندى داخل سيارة الإسعاف، بينما وقف آدم المنصوري يتابعها حتى أغلقت الأبواب وانطلقت.
ثم التفت إلى رجاله وقال
محدش يلمس أي ورقة في مكاتب الإدارة... واستنوا الشرطة.
تفاجأ الجميع.
همس أحد الضيوف
غريبة... كنت فاكره هيحل الموضوع بطريقته.
سمعه آدم، فقال بهدوء
اللي يظلم الناس يستحق يتحاسب بالقانون الأول.
...
في المستشفى...
أجريت لندى أشعة ورنينًا مغناطيسيًا بشكل عاجل.
وبعد ساعة تقريبًا، خرج استشاري جراحة المخ والأعصاب.
نظر إلى آدم وقال
هي كانت ماشية بإصابة خطيرة في الفقرات القطنية وضغط على الأعصاب، وكمان عندها خراج والتهاب شديد في مكان الإصابة. التأخير كان ممكن يسبب شلل دائم أو تسمم في الدم.
تنهد آدم ببطء.
هتحتاج عملية؟
نعم... ولازم الليلة.
وقّع آدم على كل الإجراءات المالية دون تردد.
أما ندى، فكانت تبكي.
قالت بصوت ضعيف
أنا حتى معرفش حضرتك... ليه بتعمل كل ده؟
ابتسم ابتسامة هادئة.
لأن أول سؤال سألتيه كان ينفع أفضل واقفة؟
ثم أكمل
الناس اللي بتمثل... بتدور على الراحة. إنتِ كنتِ مستعدة تفضلي واقفة بالساعات عشان تهربي من الوجع.
خفضت رأسها وهي تبكي أكثر.
...
في نفس الوقت...
وصلت الشرطة إلى المطعم.
وبعد
ظهر كريم وهو يطارد ندى على السلم.
وظهر وهو يدفعها بقوة.
ثم ظهر حسام وهو يأمر الموظفين بجمع التوقيعات على محاضر مزورة.
حتى المدير كمال ظهر وهو يهدد العاملين بالفصل إذا تكلم أحد.
عندما شاهد حسام التسجيل، انهارت أعصابه.
صرخ في ابنه
قلتلك