عايزاني أدفع فاتورة امي

لمحة نيوز

"زعق وقال: "عايزاني أخلي أمي تدفع تمن البقالة؟" بعد ما رفضت أدفع تمن الحاجات الغالية اللي هي حشرتها في الكارت.  

لحد ما وصلنا عند الكاشير، كان وش دانيال أحمر، وصوته بيتردد تحت النور الأبيض القوي بتاع السوبر ماركت، والكاشيرة اللي لسه مراهقة كانت بتعمل نفسها مش شايفة أي حد فينا. 

"عايزاني أخلي ماما تدفع تمن البقالة؟" دانيال نطرها بصوت عالي لدرجة إن الست اللي في الكاشير اللي جنبنا اللي كانت بتفضي كيس أكل كلاب بصت علينا.

أنا فضلت ماسكة إيد العربية بصباعيا الاتنين وببتسم الابتسامة اللي بتديها لما بتكون عديت خلاص الخط اللي مينفعش ترجع بعده، ومبقاش فارق معاك تمثل إن الدنيا تمام.  

العربية اللي بيننا كانت مليانة حاجات أنا مخترتهاش. سلمون مدخن متغلف بالفاكيوم. جبنة فرنساوي مستوردة ملفوفة في ورق شمع. إزازة زيت زيتون تمنها أغلى من الجزمة اللي بقص بيها الجنينة. إزازتين خل بلسمك متعتق كأنهم لازم يتحطوا في فاترينة. علبة دهب فيها ترافلز شوكولاتة ملفوفة يدوي. وعلبة سردين قالت عليه باتريشيا "السردين الأصلي" بنفس الاحترام اللي الناس بتتكلم بيه عن المجوهرات.  

وفي النص وسط اللبن والعيش والبيض، كان قاعد برطمان كافيار كأنه تاج صغير أسود. كافيار بجد.

حماتي، باتريشيا، كانت واقفة في آخر السير لابسة نضارة القراية على نص مناخيرها، والبلوزة الحرير بتاعتها متظبطة كأنها طالعة من مجلة. وكان على وشها التعبير المفضل بتاعها: البراءة المظلومة. دي كانت أحسن لعبة بتعرف تمثلها.  

باتريشيا عندها موهبة تخلي الطمع شكله فضيلة، وبعد 6 سنين أنا اتعلمت عمري ما أقلل منها.

الكاشيرة

نحنحت وبصت على المكنة. المجموع منور في الشاشة: 1012.46 دولار.  

حاجتي أنا بقى — وراك الفراخ، البطاطا، الزبادي اليوناني، القهوة، زيت الطبخ العادي، كارت عيد ميلاد لزميلتي ريناتا، البصل، وكبسولات غسالة الأطباق — يدوب كانوا بحوالي 120 دولار. وده كمان تقدير زيادة.

الكارت بتاعي كان في إيدي. كنت ماسكاه بقالي دقيقة كاملة.  

وبعدين حطيته بهدوء في المحفظة. 

"أنا هدفع حاجتي" قلت بصوت هادي لدرجة إنه عصبه أكتر. "وبا تريشيا تدفع حاجتها."

ثانيتين محدش اتحرك. 

وبعدين دانيال لف علي كأني شتمته قدام الناس. "إيه؟"  

إيد باتريشيا كانت بتتحرك ناحية الشنطة بثقة واحدة متعودة إن حد تاني هيدفع. وقفت في نص الطريق. 

عِدتها تاني. "حاجتي بتاعتي. وحاجة باتريشيا بتاعة باتريشيا."

"إنتِ أكيد مش بتتكلمي جد" صوت دانيال علي. "دي العيلة."

"أيوه" رديت. "وهي كمان طالعة معاش، وعندها معاش، وعندها الشقة تمليك، وزوقها غالي جداً."

فكه قفش. "ده إحراج."

بصيتله. دانيال كان شكله حلو أول ما عرفته، ولسه حلو دلوقتي. عمر ده ما كان المشكلة. 

شعر بني ناعم، وعيون طيبة لما يفتكر يستخدمها، وكتاف عريضة بتخلي الناس تفتكره حاسم أكتر ما هو. 

عنده 37 سنة، ووشه بيخلي الناس تثق فيه من أول نظرة. ما عدا إحنا اللي عارفين هو بيستسلم فين بالظبط.

أنا حبيت الوش ده 8 سنين. واتجوزته 6 سنين. وبنيت حياة هادية وعادية حواليه عشان زي بنات كتير افتكرت إن الحب هو الأمان.

ودلوقتي واقف في الكاشير رقم 7 وبيبصلي بغل، وأمه مستنية بهدوء إنه يدافع عنها.

"عايزاني أخلي أمي تردلك فلوس

البقالة؟" ھجم عليا. 

"أنا مش بطلب منها تردلي حاجة" قلت. "أنا بطلب منها تدفع تمن الحاجات اللي هي اختارتها."

هنا بقى باتريشيا اتكلمت. بهدوء. وبحزن. بالظبط زي ما بتعمل لما بتحب تخلي كل الناس التانيين هما اللي شكلهم وحش. 

"ياااه يا كلير" قالت. "عمري ما تخيلت إنك هتعملي من ده مشكلة."

دي لعبة باتريشيا المفضلة. بتاخد افتراضها هي وتخليه عيب فيا أنا. 

اللي حوالينا فجأة بقوا مركزين في أي حاجة تانية. الواد بتاع الأكياس بقى مهتم جداً برص الشنط القماش. الست اللي ورانا بصت في الموبايل. ومن بعيد عيل صغير بدأ يعيط. وفي السماعة نادوا على حد في قسم الخضار.

وفي نص الإحراج ده قدام الناس كله، حاجة جوايا هديت خالص. 

مش تجمد. وضوح. 

الهدوء اللي بيجي بعد ما تكون عيطت لوحدك. بعد ما الصدمة تتحرق. بعد ما الخۏف يبقى يقين.

"حاضر يا حبيبي" قلت بهدوء وبصيت في عين دانيال. "اتعصب براحتك."

فضل باصصلي. 

ولإني بقالي 3 أيام عارفة إيه اللي مستخبي في الدرج اللي تحت في مكتبنا في البيت، ولإني في التلات أيام دول صورت ورق، وكلمت المحامي بتاعي، وكلمت أبويا، ونمت يمكن 4 ساعات على بعض، كملت بنفس الصوت الهادي:

"المفاجأة الكبيرة لسه مجتش."

دانيال مكنش عنده فكرة أنا أقصد إيه. 

وبا تريشيا برضو مكنتش عارفة. 

بس أنا كنت عارفة. 

وده غير كل حاجة.  

التفاصيل الكاملة تحت

الكاشير سكتت ثانيتين وبعدين قالت بصوت واطي: "تحبي أفصل الفواتير؟"  

بصيتلها وابتسمت: "يا ريت."

بدأت أمرر حاجتي واحدة. الفراخ، البطاطا، الزبادي... 118 دولار وشوية

فكة.  

سحبت الكارت ودفعت. البييب بتاع المكنة كان أنضف صوت سمعته اليوم ده كله.

باتريشيا لسه واقفة متخشبة. الشنطة بتاعتها لسه في نص الطريق بين إيدها والكونتر.  

دانيال وشه جاب ألوان. مرة أحمر من الڠضب، مرة أبيض من الصدمة.

"يعني بجد هتسيبيها تدفع لوحدها؟" همسلي كأنه بنحاول نتفق من ورا الكاشيرة. 

رديت وأنا برص حاجتي في كيس: "أنا مش سكرتيرة حسابات العيلة يا دانيال. كل واحد حر في اختياراته."

باتريشيا أخيراً نطقت، بس المرة دي مفيش نبرة البراءة. كان فيها شړ. 

"الناس هتقول إيه علينا دلوقتي؟ إننا مش بنساعد بعض؟"

بصيتلها وقلت: "الناس تقول اللي هي عايزاه. بس أنا تعبت من إني اللي بدفع تمن البرستيج بتاعك."

سحبت الأكياس بتاعتي. كانت خفيفة. أخف من الحمل اللي شيلته 6 سنين.

دانيال مشي ورايا لحد العربية في الجراج. الشمس ضاربة في الإزاز. 

"إنتي بتهزري صح؟" قال. "هنروح البيت نتكلم."

"لأ" قلت. "إحنا اتكلمنا كتير. 3 أيام وأنا ساكتة وبحضر."

فتحت شنطة العربية وحطيت الأكياس. وبعدين طلعت ظرف أبيض من جيب الجاكيت.  

"ده ورق الطلاق" قلت. "ماضي عليه المحامي بتاعي. وماضي عليه أبويا كشاهد. والبيت اللي باسمي أنا اللي شارياه من قبل ما نتجوز، فهيفضل باسمي. وحساب البنك المشترك؟ سحبت نصيبي امبارح."

سكت. بقه اتفتح بس مفيش كلام طالع. 

"المفاجأة اللي قلتلك عليها في الكاشير؟ أهي" كملت. "أنا مش هكمل أمثل إن كل حاجة تمام عشان خاطرك ولا خاطر مامتك."

باتريشيا كانت لسه جوه بتحاول تطلع الكارت بتاعها وهي بتترعش. بس أنا خلاص كنت مدورة العربية.

آخر

حاجة شفتها في المراية قبل ما أطلع: دانيال واقف متنح، وباتريشيا باصة من باب السوبر ماركت وعلى وشها نفس تعبير "المظلومة" بس المرة دي محدش هيصدقه.

سواقت. والراديو كان شغال. ولأول مرة من سنين حسيت إن نفسي مش مكتوم.

الهدوء ده؟ ده كان اسمه "حرية".

تم نسخ الرابط