زواج بالاجبار

لمحة نيوز

وقف التاجر قدام باب العزبة وهو ماسك الورقة في إيده كأنه ماسك حكم بالإعدام. ساد الصمت للحظات، والهواء البارد كان بيعدي بين الأشجار ويزود التوتر اللي مالي المكان. بص الأرمل للورقة وبعدين للرجل وقال بصوت ثابت رغم القلق اللي جواه
إيه الكلام ده؟
ابتسم التاجر ابتسامة باردة وقال
الكلام اللي كان لازم تعرفه من زمان. العزبة دي بقت ملكي.
الأطفال اتجمعوا ورا أبوهم پخوف، أما الزوجة الجديدة فوقفت مكانها تراقب المشهد بعينين ثابتتين. كانت لسه داخلة البيت من أيام قليلة، لكن إحساسها قال إن اللي بيحصل أكبر بكتير من مجرد دين أو خلاف على أرض.
مد التاجر الورقة للأرمل، ولما أخدها وبدأ يقراها، اتغير لون وشه فجأة.
كانت الورقة عبارة عن عقد رهن قديم عليه توقيعه.
قال الرجل
مستحيل... أنا سددت الدين ده من سنتين.
ضحك التاجر وقال
عندك دليل؟
سكت الأرمل.
لأن الدليل الوحيد كان إيصالات السداد اللي اختفت من البيت بعد ۏفاة زوجته الأولى بأسابيع.
لأول مرة ظهرت الصدمة على ملامحه.
أما الزوجة الجديدة فلاحظت حاجة غريبة.
لما التاجر قال جملة بعد ۏفاة مراتك، الولد الكبير رفع رأسه بسرعة وكأنه افتكر حاجة مهمة.
لكن قبل ما يتكلم، التاجر أشار لرجالته وقال
هديكم أسبوع واحد بس. بعده هطردكم كلكم.
وركب حصانه ومشي.
بعد ما اختفى من الطريق الترابي، فضل الجميع واقفين

في صمت.
وفي الليل، بعد ما نام الأطفال، جلس الأرمل يحكي لأول مرة.
حكى عن زوجته الأولى.
قال إنها كانت ست طيبة ومخلصة، وإنها ماټت فجأة بحمى غريبة في عز الصيف.
لكن قبل مۏتها بأيام كانت بتقول إن حد بيفتش في أوراقه.
وكانت خاېفة.
وخاېفة جدًا.
الزوجة الجديدة سمعت الكلام وسكتت.
لكنها ما قدرتش تنام.
وفي الفجر نزلت المطبخ.
وأثناء ترتيب الأرفف القديمة لقت حاجة غريبة.
كان فيه لوح خشب صغير في الحائط شكله مختلف عن باقي الخشب.
شدته بحذر.
فاتفاجأت بفراغ صغير مستخبي وراه.
مدت إيدها جواه.
وطلعت كيس قماش قديم.
فتحته.
وكانت الصدمة.
الكيس مليان أوراق.
إيصالات.
وعقود.
وخطابات.
وأول إيصال مسكته كان إيصال سداد الدين كاملًا باسم الأرمل.
يعني التاجر كان كذاب.
لكن المفاجأة الأكبر كانت خطاب مكتوب بخط الزوجة الأولى.
بدأت تقرأ.
ومع كل سطر كانت دقات قلبها بتزيد.
الرسالة كانت بتقول إن التاجر حاول يجبر الزوجة الأولى تبيعه جزء من الأرض، ولما رفضت هددها أكثر من مرة.
وكانت متأكدة إن فيه مؤامرة بتحصل للاستيلاء على العزبة.
وفي آخر الرسالة كتبت جملة خلت الډم يتجمد في عروقها
لو حصل لي حاجة فجأة، اعرفوا إن مۏتي ما كانش طبيعي.
وقعت الرسالة من إيديها.
فضلت تبص للكلمات وهي مش مصدقة.
هل ممكن تكون الزوجة الأولى اټقتلت؟
مع طلوع الشمس جمعت الأوراق وخبتها.

وقررت ما تقولش حاجة قبل ما تتأكد.
لكن القدر كان أسرع منها.
لأنها لما خرجت تسقي الدجاج، سمعت صوت شخص بيتكلم خلف المخزن.
اقتربت بهدوء.
واكتشفت إن واحد من العمال بيتقابل سرًا مع رجل من رجال التاجر.
وكان بيسلمه معلومات عن كل حاجة بتحصل جوه العزبة.
في اللحظة دي فهمت إن الخېانة مش جاية من بره.
الخېانة عايشة وسطهم.
ومن هنا بدأت الحړب الحقيقية.
حرب على الأرض.
وعلى الحقيقة.
وعلى سر مۏت امرأة ماټت والجميع صدق إنها ماټت بالحمى، بينما الحقيقة كانت مدفونة تحت التراب تنتظر من يكشفها...
من اللحظة اللي عرفت فيها إن فيه جاسوس جوه العزبة، قررت إنها ما تثقش في حد. حتى الأرمل نفسه ما قالتلوش على الرسالة ولا على الأوراق اللي لقتها. كانت محتاجة تعرف الحقيقة كاملة الأول. في الأيام اللي بعدها تصرفت وكأن مفيش حاجة حصلت، تطبخ للأطفال، تساعد في الأرض، وترتب البيت، لكن عقلها كان شغال طول الوقت. كانت بتراقب كل واحد حواليها، وكل حركة صغيرة بقت بالنسبة لها
دليل ممكن يوصلها للحقيقة.
وفي ليلة مطيرة، لاحظت إن العامل اللي شافته بيتكلم مع رجال التاجر خرج من أوضته بعد نص الليل. استنت لحد ما ابتعد، وبعدها مشيت وراه من بعيد وسط الضلمة. العامل دخل مخزن قديم في آخر المزرعة، فاختبت ورا شجرة كبيرة وبدأت تراقب. بعد دقائق وصل راجل غريب لابس معطف أسود
وسلم العامل كيس صغير. سمعت العامل بيقول بصوت منخفض
اصبروا كام يوم بس... العيلة كلها هتطلع من العزبة.
رد الرجل
التاجر مش بيحب التأخير.
وفي اللحظة دي العامل قال حاجة خلتها تتجمد مكانها
زي ما خلصنا من الست الأولى هنخلص من الباقي.
حست إن الأرض بتميد بيها. كتمت نفسها بالعافية عشان ما تصرخش. دلوقتي بقى عندها يقين إن ۏفاة الزوجة الأولى ما كانتش طبيعية.
رجعت البيت قبل ما حد يشوفها، وقضت الليل كله صاحية. أول ما طلع النهار راحت للأرمل وقالتله إنها محتاجة تكلمه في موضوع مهم. قعد قدامها مستغرب، فطلعت الرسالة والإيصالات القديمة. فضل يقرأ وهو مش مصدق عينيه. ولما وصل للسطر الأخير من الرسالة، دموعه نزلت لأول مرة من سنين.
قال بصوت مكسور
يعني كانت عارفة... وكانت بتحاول تحمينا.
حكت له عن اللي سمعته الليلة اللي فاتت. وقتها اتحول حزنه لڠضب. لكن الزوجة الجديدة منعته من إنه يواجه العامل فورًا.
لو واجهته دلوقتي، هنخسر فرصة نعرف مين وراه.
وافق على مضض.
ومن اليوم ده بدأوا يشتغلوا مع بعض في السر.
كان الولد الكبير بيراقبهم من بعيد. وفي يوم دخل عليهم فجأة وقال
أنا عارف حاجة.
بصوا له في دهشة.
قال
يوم ما أمي ماټت، شفت العامل ده داخل المطبخ.
سكت شوية وبعدين كمل
وبعدها بشوية أمي شربت من الكوباية ووقعت.
الأرمل حس إن قلبه اتقبض.
سأله
ليه ما
قلتش الكلام ده قبل كده؟
رد الطفل وعينه مليانة دموع
كنت فاكر إني حلمت... وكل ما أحاول أفتكر
تم نسخ الرابط