ابويا جالي البيت

لمحة نيوز

بنتها هتلاقي شقة ملك تعيش فيها. ثانياً.. بخصوص المحاكم والمنقولات والفلوس، أنا مهندس وعارف حقوقي كويس، والشقة اللي إحنا اشتريناها، أنا دافع تلات تربع ثمنها من شقايا وتعب برا مصر وجواها، والربع بتاعها محفوظ لها بالمليم ومش هأكله عليها. أما بخصوص رجوعها.. فاللي تسترخص أبويا وتعتبره شحات أو بنك تسليف وهي عارفة إنه طافح الډم علشاني، دي محرمة عليا ليوم الدين.
في هذه اللحظة، خرج أبي رسلان من غرفته متكئاً على عصاه. كان يبدو عليه التعب لكن هيبته كانت تملأ المكان. نظر إلى حماي وقال بصوت حنين ومكسور
يا حاج.. أنا رحت بيتكم زمان وخطبت بنتك لحسن، وقولت لكم إني معنديش مال ولا أطيان، لكن عندي راجل بوزنه دهب. بنتك هانتني في بيتها، وأنا سامحتها.. لكن ابني راجل، والراجل ما يقبلش الإهانة لأبوه. لو بنتك عاوزة ترجع، ترجع على راسنا، بس بشرط.. تعرف إن البيت ده ملوش غير سيد واحد.. وهو حسن، والكلمة الطيبة هي اللي بتمشي.
لكن أخاها محمود، بدلاً من أن يستحي من شيبة الرجل، رد بتعجرف وسخرية
جرى إيه يا راجل يا عجوز؟ أنت هتعمل علينا قاضي؟ ما هي بنتنا برضه دافعة في الشقة
دي، ومش إحنا اللي بنتنا تعيش في بيت محكوم بالأوامر والنواهي.
هنا وقفتُ على حيلي، وفتحت الباب على مصراعيه وقلت بأعلى صوتي
برا!! اطلوا برا بيتي! الكلمة اللي اتقالت لأبويا دي حسابها معايا هيكون عسير في المحاكم. اطلعي برا، ونهى ورقتها هتوصلها للمأذون رسمي، والعيال هشوفهم بحكم القانون، ومش عايز أسمع صوت حد فيكم تاني!
خرجوا وهم يسبون ويتوعدون، لكن قلبي كان في منتهى الراحة؛ فقد وضعت النقاط فوق الحروف، وحميت شيبة أبي من ألسنتهم المسمۏمة.
الفصل الثالث عدالة السماء تدور
مرت الأيام، وبدأت القضايا في المحاكم. لم أكن بخيلاً أو ظالماً؛ أعطيت نهى كل مليم تستحقه بحكم القانون والشرع من ربع الشقة والمؤخر، ولم أنقص من نفقة أطفالي زياد ومريم جنيهاً واحداً، فهم أولادي ولن أدعهم يدفعون ثمن خطأ أمهم. لكنني حرمتها من وجودي، ومن أماني، ومن دلالي الذي كانت تعيش فيه.
دارت الأيام دورتها السريعة لتثبت ل نهى أن الدنيا دوارة. أخوها محمود، الذي كان يتنطط ويتعجرف، دخل في مشروع تجاري فاشل واستدان بمبالغ ضخمة. ولأنهم عائلة لا تعرف للرحمة معنى، بدأت الخلافات تدب بينهم. اضطرت
نهى أن تدفع الجزء الذي أخذته مني من ثمن الشقة لتسديد ديون أخيها خوفاً من سجنه، لتجد نفسها في النهاية بلا زوج، وبلا شقة، وبلا مال، تعيش في غرفة صغيرة في بيت أهلها القديم مع طفلين.
علمتُ لاحقاً من بعض الأصدقاء المشتركين أن نهى تبكي ندمًا كل ليلة، وأنها تقول لكل من حولها حسن كان شايلني في عينه، وكان بيلبي لي كل طلباتي، وأنا بغبائي وقساوة قلبي خسړت الجنة اللي كنت عايشة فيها عشان خمسين ألف جنيه مستخسرين في أبوه.
أما أنا، فقد فتح الله لي أبواب الرزق من حيث لا أحتسب. تمت ترقيتي في الشركة لأصبح مديراً إقليمياً للمشروعات، وتضاعف راتبي بفضل دعوات أبي التي كانت تلازمني في كل خطوة.
الفصل الرابع الحصاد الكبير
بعد مرور عامين على تلك الحاډثة، كنت قد اشتريت فيلا صغيرة في أحد الضواحي الهادئة، تحيط بها
حديقة واسعة مليئة بالزهور والنباتات التي يحبها أبي.
في يوم جمعة مشمس، كان أولادي زياد ومريم عندي يقضون إجازتهم الأسبوعية. كنت أجلس في الحديقة أراقبهم وهم يركضون ويلعبون حول جدهم رسلان الذي كان يجلس على كرسي مريح، والابتسامة لا تفارق وجهه. كان يمسك بيده الصغيرة
مريم ويقص عليها حكايات من زمن المحاجر، وكيف كان الشقاء يتحول إلى فرحة عندما يرى نجاحي.
اقتربت منه، وجلست عند قدميه كعادتي، وأمسكت بيده ونظرت في عينيه اللتين أصبحت الفرحة تسكنهما بدل الحزن والكسرة.
عجبك الورد اللي زرعناهولك يا با؟ سألته بابتسامة.
نظر إليّ، ومسح على رأسي بيده الخشنة التي أصبحت بالنسبة لي أنعم من الحرير، وقال بصوت مليء بالرضا والخشوع
الورد الحقيقي في حياتي هو أنت يا حسن. ربنا رضا عليا ورزقني بيك عشان تكون عوضي عن كل شقا شفته في الدنيا. أنا دلوقتي لو قفلت عيني وقابلت رب كريم، هبقى مطمن إن زرعتي أثمرت راجل بجد.
خنقتني الدموع، لكني حبستها وابتسمت له قائلاً
عشت وعشت أيامك يا با.. إحنا عايشين بحسك وببركة دعاتك.
تذكرت في تلك اللحظة الخمسين ألف جنيه، والدفتر، والتحليل، والمطبخ القديم.. وادركت أن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، وأن الكذبة البيولوجية التي عشنا فيها سنين لم تكن إلا غطاءً لحقيقة أعمق وأجمل وهي أن الأبوة الحقيقية تُصنع بالحب والټضحية، وأن من يصون كرامة والده.. يصون الله حياته ومستقبله ويرفع شأنه بين الناس.
تمت الرواية
بحمد الله وفضله.

تم نسخ الرابط