ابويا جالي البيت
المحتويات
جداً، لكن قدرنا نسيطر على الڼزيف ونثبت الفقرات. بخصوص الخلايا الجذعية والنخاع، إحنا لقينا متبرع مطابق في قوائم الطوارئ الدولية والمستشفى هتبدأ الإجراءات فوراً. والدك عدا مرحلة الخطړ، ومحتاج راحة تامة ودعم نفسي.
دخلت إلى غرفة العناية المركزة بعد ساعات، كان جسده الهزيل ممدداً على السرير، والأجهزة تحيط به من كل جانب. فتح عينيه ببطء، ونظر إليّ بنظرة مکسورة، وكأنه يترقب رد فعلي بعد قراءة الجواب.
ارتميت على صدره، وأمسكت بيده الخشنة وقبلتها مئات المرات وأنا أشهق بالبكاء
يا با.. أنت أبويا.. وأغلى من أبويا. ډم إيه ولحم إيه اللي بيتكلموا عنه؟ أنا ابن رسلان الشغال في المحاجر، ابن الراجل البار الصالح اللي علمني وبقيت بسببه راجل. فلوسي وحياتي وروحي تحت رجلك يا با.
نزلت دمعة حارة من عين الشيخ العجوز، وضغط على يدي بضعف لكن بحنان جارف، وقال بصوت متقطع
ربنا يبارك لي فيك يا حسن.. دلوقتي بس أنا مش خاېف من المۏت.
النهاية
مرت الأشهر، وتماثل والد الحبيب رسلان للشفاء تماماً وعاد يسير على قدميه برأس مرفوعة. قمت ببيع الشقة القديمة التي كانت تفوح منها رائحة الأنانية، واشتريت بيتاً جديداً واسعاً، يعيش فيه أبويا معي، محاطاً بالحب والرعاية والتقدير الذي يستحقه.
أما نهى، فقد ذهبت
تعلمتُ من هذه التجربة أن الأبوة والأمومة والروابط الإنسانية لا تُكتب بعقود الډم والميلاد فقط، بل تُكتب بالمواقف، بالټضحية، وبالحب غير المشروط. عاش أبويا ليحميني، وسأعيش ما تبقى من عمري خادماً
تحت قدميه؛ فالبيوت لا تُبنى ب جدران الإسمنت، بل ب جدران الرحمة والوفاء.
ثمار الصبر وعدالة الايام
هدوء ما بعد العاصفة
مرت الأسابيع الأولى بعد خروج أبي رسلان من المستشفى وكأنها فترة نقاهة لروحي أنا قبل جسده. انتقلنا مؤقتاً إلى شقة صغيرة مريحة استأجرتها في حي هادئ، بعيداً عن جدران الشقة القديمة التي كانت تذكرني في كل ركن منها ببرود نهى وقسۏتها.
كنت أستيقظ كل صباح قبل موعد عملي، لا لأهرع إلى الشركة مضغوطاً كما كنت أفعل سابقاً، بل لأدخل غرفة أبي بخطوات هادئة. كنت أتأمل وجهه وهو نائم، ملامحه التي حفرت فيها شمس المحاجر خطوطاً من الكبرياء والرضا. أجهز له إفطاره بيدي، وأضع أقراص الدواء في مواعيدها بدقة متناهية، وكأنني أحاول في كل ثانية أن أعوضه عن ثلاثين سنة من الشقاء غير المشروط.
في أحد الأيام، وبينما كنا نتناول الشاي معاً في شرفة الشقة الجديدة، نظر إليّ وأنا أبتسم له، وعاد ذلك
يا حسن يا ابني.. أنا حاسس إني كنت السبب في خړاب بيتك. طلاقك من مرتك وبُعدك عن عيالك قالب عليا مواجعي. يا ابني الستات بتغلط، والبيوت بيمشي حالها بالصبر. لو كان عليا أنا، أنا كنت مسامحها في الكلمتين اللي قاليتهم في المطبخ، ومسامحها في نظرتها ليا.. ما كانش العشم تخرب بيتك لجل خاطري.
نزلتُ على ركبتي أمامه، وأمسكت بيده الخشنة، تلك اليد التي طالما حملت الأسمنت لتبني مستقبلي، وقبلت باطنها وظاهرها وقلت له بيقين هز أركاني
يا با، قطع لسان اللي يقول إنك كنت السبب في خړاب. البيت ده كان مخروب من الأول، بس أنا اللي كنت مغمي عيني وعايش في وهم. اللي تستخسر اللقمة في بق الراجل اللي عملني، واللي تبص لك بصة رخيصة وأنت في عز تعبك، دي متأمنش على عرض ولا على عيل. أنا ما خسرتش يا با.. أنا كسبت نفسي، وكسبت رضاك، والفلوس والبيوت بتروح وتيجي، لكن الأب السند اللي زيك لو ضاع.. مش هلاقيه في سوق البيع والشراء.
دمعت عينا الشيخ، وضمني إلى صدره، وفي تلك اللحظة بالذات، شعرت أن كل أموال الدنيا لا تساوي هذه الضمة التي أعادت لي إحساس الطفولة والأمان.
الفصل الثاني محاولات الرجوع المسمۏمة
لم تكن نهى وأهلها ليمروا بقرار الطلاق مرور الكرام.
في مساء أحد الأيام، رن جرس الباب. فتحت لأجد حماي السابق، ومعه والد نهى وأخوها الأكبر محمود. دخلوا وعلامات الجدية والصرامة المصطنعة ترتسم على وجوههم. بعد عبارات الترحيب الجافة، تحدث حماي بنبرة لوم وعتاب
جرى إيه يا حسن؟ بقيت بتبيع عشرة السنين في ساعة ليلة؟ طلاق بالتلاتة وفي المستشفى وقدام الغرب؟ عشان إيه؟ عشان خناقة ستات في المطبخ؟ الست غلطت وقالت كلمتين في وقت عصبية، تقوم تخرب بيتك وتشرخ مستقبل عيالك؟
تحدث أخوها محمود بنبرة فيها نوع من الټهديد المبطن
إحنا شارينك يا حسن ومشيناها إنها ساعة شيطان، ونهى ندمانة وقاعدة في البيت پتبكي. لكن الطلاق ده مش هيمر كدة لو ركبت دماغك. المؤخر، ونفقة العيال، وقائمة المنقولات.. إحنا ممكن نوديك المحاكم ونخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك.
كنت أجلس ببرود تام، أستمع إليهم وأنا أرتشف من كوب الشاي. عندما انتهوا من كلامهم، نظرت إليهم وقلت
بصوت هادئ جداً ولكنه صارم كحد السيف
أهلاً بكم يا جماعة، منورين. أولاً.. نهى ما غلطتش في خناقة ستات. نهى هانت الراجل اللي لولاه ما كنتش هقعد
متابعة القراءة