كف أمي نزل على وشي قصص أحمد محمود
كف أمي نزل على وشي بقوة لدرجة إني ارتطمت بالحيطة اللي في طرقة الشقة، وحسّيت بطعم الد.م في بقي. قبل ما ألحق أستوعب اللي حصل، مرات أخويا قربت مني وبصقت قدامي باحتقار، كأني أقل من أي حد في البيت.
ضحك جوز أختي، شريف، وهو قاعد على الكنبة وقال بسخرية:
"طماعة... فاكرة إن الرائد كريم هييجي ينقذك؟ الراجل مأمورية في سينا ومش راجع قريب."
كان النجف اللي في السقف بيتهز من قوة الخبطة. وشي كان مولّع، وداني بتزن، وأمي، سعاد، واقفة قدامي بطقمها الأنيق وسلسلة الدهب اللي عمرها ما بتقلعها، وكأنها أخيرًا عملت حاجة تستحق الفخر.
قالت وهي بتبصلي بغضب:
"إنتِ اتجوزتي كريم عشان مرتبه وامتيازاته والفيلا دي... مش عشان بتحبيه."
رفعت عيني وبصيت حواليّا.
الفيلا دي...
الفيلا اللي دفعت مقدمها من شغلي قبل ما أعرف كريم أصلًا. الفيلا اللي صرفت عليها من تعبي وسهري سنين، بينما كل الناس كانت بتقول إني محظوظة. الفيلا اللي كريم أصرّ تتسجل باسمي وقال يومها:
"إنتِ كنتِ الأمان بتاعي قبل ما أبقى ضابط وقبل أي حاجة."
لكنّي ما قلتش الكلام ده.
لسه بدري.
مرات أخويا، نهى، شبكت إيديها وقالت باستهزاء:
"كريم كان المفروض يتجوز واحدة من مستوانا... مش موظفة هادية طول عمرها
ابتسمت رغم الألم.
لو كانوا يعرفوا الحقيقة بس.
أنا ما كنتش مجرد موظفة عادية.
أنا كنت خبيرة مراجعة وتحقيقات مالية، شركات ورجال أعمال كبار بيلجأوا ليّا لما ملايين الجنيهات تختفي، ولما حد يزوّر مستندات أو يخبّي فلوس في حسابات وهمية.
ومن تلات شهور...
كنت بحقق في قضية تخص عيلتي نفسها.
أمي سحبت فلوس من حساب كريم أكتر من مرة من غير إذنه.
شريف استخدم بياناته عشان يضمن قرض بمبالغ كبيرة.
ونهى كانت بتزوّر توقيعي على أوراق تخص جمعية خيرية بيدعمها كريم لأسر الشهداء والمصابين.
كانوا فاكرين إني ضعيفة لأني بتكلم بهدوء.
وفاكرين إني غبية لأني بعيط لوحدي.
مسكت أمي دقني بعنف وقالت:
"بكرة هتمضي التنازل. نص الفيلا لأخوكي، ونص المدخرات لنهى. وكريم مش هيعرف غير بعد ما كل حاجة تخلص."
في اللحظة دي...
تليفوني اهتز جوا جيبي.
رسالة واحدة من كريم:
"وصلت القاهرة بدري... خمس دقايق وأكون عند البيت. متظهريش أي رد فعل. جاي ومعايا ناس لازم يسمعوا كل حاجة."
مسحت الدم من على شفتي، وبصيت لهم واحد واحد، وقلت بهدوء:
"أنصحكم تمشوا دلوقتي... قبل ما كريم يرجع."
انفجر شريف في الضحك، ونهى هزت راسها بسخرية، وأمي ابتسمت بثقة وهي متأكدة
دخل كريم بخطوات ثابتة، وورا منه تلات رجال ببدل رسمية، وواحد لابس زي رقابي تابع لهيئة مكافحة الفساد المالي.
سكتت الصالة كلها.
أمي رجعت خطوة لورا، ونهى بلعت ريقها، أما شريف فوقف بسرعة وهو بيحاول يبتسم.
قال شريف: "يا كريم! رجعت بدري؟ إحنا كنا قاعدين مع أختنا بس..."
رفع كريم إيده وأسكتّه.
وبصلي الأول.
لما شاف الدم على شفايفي واحمرار وشي، اتحولت ملامحه بشكل مرعب.
لكنّه تمالك نفسه.
ثم قال بهدوء مخيف:
"محدش يتكلم."
الصالة كلها اتجمدت.
أخرج ملف أسود من تحت دراعه وحطه على الترابيزة.
ثم التفت لأمي وقال:
"الحاجة سعاد... حضرتك لسه من دقيقتين طلبتي من مراتي تتنازل عن نص الفيلا ونص المدخرات؟"
وش أمي اصفر.
"أنا... أنا كنت بهزر."
ابتسم أحد الرجال الواقفين خلف كريم وقال:
"للأسف التسجيلات بتقول غير كده."
وفجأة...
نهى شهقت.
"تسجيلات؟!"
فتح كريم الملف.
وأخرج أوراق كتيرة.
"من تلات شهور، مريم كانت شغالة على مراجعة مالية خاصة بطلب مني."
بصوا كلهم ناحيتي بعدم تصديق.
وأكمل:
"لأن فلوس كانت بتختفي من حساباتي."
هنا شريف اتوتر لأول مرة.
قال بسرعة: "أكيد البنك غلط."
رد الرجل اللي مع كريم:
"البنك ما غلطش."
ثم أخرج كشف حسابات.
"السحب
التفتت الأنظار كلها نحو شريف.
بدأ العرق يظهر على جبينه.
"أنا... أنا معرفش حاجة."
فتح الرجل ملفًا آخر.
"وعندنا نسخة من الطلب الإلكتروني وعنوان الجهاز اللي تم منه التنفيذ."
ثم نظر إليه مباشرة.
"ومنزل حضرتك هو مصدر الطلب."
سقطت الابتسامة من وجه شريف تمامًا.
أما نهى فصرخت:
"مستحيل!"
قال كريم ببرود:
"زي ما مستحيل يكون توقيع مراتي موجود على أوراق الجمعية الخيرية وهي أصلاً كانت خارج مصر يوم التوقيع."
ارتعشت يد نهى.
وأخرج أحد الرجال ملفًا ثالثًا.
"تحاليل التوقيع أثبتت التزوير."
في تلك اللحظة...
بدأت أمي تفقد توازنها.
جلست على الكرسي وهي تردد:
"أنا ما كنتش أعرف... والله ما كنتش أعرف."
لكن مريم فتحت درج الطاولة بهدوء.
وأخرجت ظرفًا أبيض.
ثم وضعته أمام الجميع.
قالت:
"كنتِ تعرفي يا أمي."
نظرت سعاد للظرف، وفجأة اختفى اللون من وجهها.
كان الظرف يحتوي على رسائل صوتية مطبوعة ومحولة لنصوص.
رسائل بينها وبين شريف.
رسائل كانت تتكلم فيها عن تقسيم أموال كريم بعد الاستيلاء عليها.
بل وعن إجباري على التوقيع.
رفع كريم إحدى الصفحات وقرأ بصوت مرتفع:
"خليها تمضي بالعافية لو رفضت... هي مالهاش حد."
ساد الصمت.
صمت ثقيل كأن الهواء
ثم نظر كريم إلى أمي وقال:
"دي كانت كلماتك."
بدأت تبكي.
لكن أحد الرجال قال بصرامة:
"البكاء مش هيغير الأدلة."