مراتي كانت تشتغل طول الاسبوع
مراتي كانت تشتغل طول الأسبوع، ويوم إجازتها الوحيد تقضيه مع أمي تخدمها… وفي الآخر أمي قالتلي: عمرك ما شوفت منها خير طلقها.”
اسمي محمود.
وعندي 38 سنة.
ولحد النهارده، كل ما أفتكر اليوم ده، بحس إني كنت أعمى.
مش عشان أمي ظلمت مراتي.
لكن عشان أنا صدقتها.
مراتي اسمها سارة.
ومن أول يوم جواز، كانت ست جدعة بمعنى الكلمة.
كانت بتشتغل 6 أيام في الأسبوع.
تصحى الفجر.
وترجع البيت بالليل مهدودة.
ومع كده عمرها ما اشتكت.
لكن الحاجة اللي عمرها ما فهمتها وقتها…
إن يوم إجازتها الوحيد ما كانش ليها أصلًا.
كان لأمي.
كل يوم جمعة.
بدل ما تخرج.
أو ترتاح.
أو تقضي يوم معايا.
كانت تروح عند أمي.
تنضف البيت.
وتطبخ لها.
وتجيب طلباتها.
وتوديها للدكتور.
وتقعد تسمع شكاويها بالساعات.
وأمي كانت تتعامل مع كل ده كأنه واجب.
مش معروف.
ولا حتى مجاملة.
كنت أرجع ألاقي مراتي مرهقة.
وأقولها:
“ما تريحي شوية.”
فتبتسم وترد:
“دي أمك يا محمود.”
وأكمل أنا يومي عادي.
ولا مرة سألت نفسي إذا كانت محتاجة حد يراعيها هي كمان.
عدت السنين.
وأمي كبرت أكتر.
واعتمادها على مراتي زاد.
لدرجة
لكن أمي…
عمرها ما قالت كلمة شكر.
ولا مرة.
وفي يوم.
كنت قاعد مع أمي.
وسألتها من باب الفضول:
“إيه رأيك في سارة بعد السنين دي كلها؟”
افتكرت إنها أخيرًا هتعترف بفضلها.
أو هتقول كلمة حلوة.
لكن أمي بصتلي وقالت بكل برود:
“خير إيه اللي شوفناه منها؟”
افتكرت إني ما سمعتش كويس.
قلت:
“يعني إيه؟”
قالت:
“عمرك ما شوفت منها خير.”
“دي كانت بتعمل اللي عليها وبس طلقها.”
“ولا عمرها عملت حاجة تستاهل كل التقدير اللي إنت مديهولها.”
في اللحظة دي…
ضحكت.
أيوة.
ضحكت.
لأن عقلي رفض يصدق.
رفض يصدق إن الست اللي قضت أجمل سنين عمرها في خدمة أمي…
تتوصّف بالشكل ده.
لكن الصدمة الحقيقية…
إن سارة كانت واقفة برا الأوضة.
وسمعت كل كلمة.
وشوفت بعينيها وهي بتحاول تمنع دموعها تنزل.
ومع ذلك…
ما قالتش حرف واحد.
لفت ومشيت بهدوء.
لكن بالليل…
وأنا داخل أوضتنا…
لقيت ظرف فوق السرير.
ولما فتحته…
لقيت جواه ورقة صغيرة مكتوب فيها:
بسمه
فتحت الورقة وإيدي كانت بتترعش، لقيت سارة كاتبة بخط واضح وهادي: **"يا محمود، أنا خدمت أمك مش عشان هي أمك
ما كانتش كاتبة "طلقني"، كانت كاتبة كلمة واحدة في آخر الورقة: **"كفاية."**
نزلت أجري على الأوضة التانية، لقيت سارة بتلم هدومها في صمت تام، زي اللي بتلم بقايا عمرها اللي ضاع في خدمة بيت ما بيعرفش يعني إيه تقدير.
محمود (بصوت يرجف): "سارة، استني! أمي كبرت وخرفت، إنتِ عارفة إنها مش قصدها.. ده كلام شيطان!"
سارة بصتلي، ولأول مرة في حياتي أشوف نظرة "انكسار" بتتحول لـ "قوة". قالت لي: "أمي كبرت، وأنا كمان كبرت يا محمود. كبرت على إني أكون 'جارية' في بيت بيعتبر وجودي تحصيل حاصل. كبرت على إني أستنى كلمة 'شكر' من حد بيشوفني 'خادمة' مش 'بنت'. الشيطانية مش في كلامها، الشيطانية في سكوتك اللي استمر سنين، وفي إنك سمحت لها تكسرني بكلمة."
خرجت من البيت، وأنا حاولت أمنعها، بس لأول مرة.. صرخت في وشي وقالت: **"لو قربت مني، هعتبر إن كل السنين دي
مشيت سارة، والبيت اللي كانت بتنوره بوجودها بقى ضلمة وكآبة. أمي لما عرفت إنها مشيت، قالت لي بكل بجاحة: "بالناقص! أهو هتجيب واحدة تانية تخدمنا."
ساعتها بصيت لأمي، ولأول مرة حسيت إني غريب عنها. قمت واقف، وقلت لها: "الخدمة دي كانت 'نعمة' من ست أصيلة، والنعمة لما بتزول ما بترجعش. إنتِ ضيعتي 'بنت' ما كنتِش هتلاقي زيها، وأنا ضيعت 'عمر' عشان أرضي غرورك."
سيبت البيت وأمي، وطلعت أدور على سارة. قعدت أسابيع ألف على أهلها وأصحابها، لحد ما لقيتها في مدينة تانية، بدأت شغل جديد ومستقلة تماماً. وقفت قدامها، كنت مكسور، وحكيت لها كل اللي حصل، وقلت لها إني قطعت علاقتي بأمي وكل اللي بياذوها.
سارة بصت لي وقالت: "أنا مش هرجع عشان 'الخدمة' اللي كنت بعملها، أنا هرجع بس لو اتأكدت إنك بقيت 'راجل' بيعرف يصون كرامة مراته قبل ما يرضي أهله."
أخدتها وبدأنا حياة جديدة، بعيداً عن أي ضغوط، بعيداً عن "يوم الجمعة" اللي كان بيسرق عمرها. وفهمت وقتها إن "البر" مطلوب، بس مش على حساب "العدل" للي اختارت تكون شريكة حياتك.
**الدرس اللي اتعلمته: إن الزوجة الأصيلة رزق،
**تمت.**