قالت ابنتي أن شقيقها الأكبر لمسها

لمحة نيوز


بما فعلناه.
بل بشجاعتها في مواجهة الحقيقة دون أن تخفيها خلف الكلمات الجميلة.
أما أنا...
فقد تعلمت بدوري أن أقول الحقيقة كاملة.
عندما كان أحدهم يسألني عن علي...
لم أعد أقول
لا نعرف أين هو.
بل أصبحت أجيب
ابني بريء.
وهو على قيد الحياة.
ومن حقه أن يبتعد عنا.
في البداية...
كانت تلك الكلمات تحطم قلبي في كل مرة أنطق بها.
لكن مع مرور الوقت...
أصبحت الشيء الوحيد الذي يساعدني على الاستمرار.
لأنها كانت الشكل الوحيد من الحب الذي ما زال بإمكاني تقديمه له.
أن أتركه وشأنه.
ألا أطارده.
ألا أطلب منه شيئًا.
ألا أستخدمه مرة أخرى.
وألا أحول ألمه إلى وسيلة لتخفيف شعوري بالذنب.
ومر عام آخر.
ثم عام آخر.
وبعد عامين من عملية زراعة الكلية...
وصلت بطاقة بريدية إلى منزلنا.
لم يكن عليها اسم مرسل.
ولا عنوان يمكن الرد عليه.
كانت البطاقة تحمل صورة لطريق جبلي تحيط به أشجار الصنوبر.
وضباب خفيف يغطي المكان.
وطريق مبلل بمياه المطر.


أما على ظهر البطاقة...
فكانت هناك جملة واحدة فقط.
أنهيت هذا الفصل الدراسي بنجاح.
هذا كل ما كُتب.
لا أكثر.
ولا أقل.
حدقت زهراء في البطاقة طويلًا.
ثم بدأت تبكي بصمت.
اقتربت منها.
وضممتها إلى صدري.
كانت يداي ترتجفان.
لكنني كنت أفهم ما تشعر به.
علي يدرس.
علي بخير.
علي ما زال حيًا.
وعلي ما زال بعيدًا عنا.
وللمرة الأولى...
لم أشعر أن ابتعاده عقاب.
بل شعرت أنه عدالة.
عدالة تأخرت كثيرًا.
لكنها جاءت في النهاية.
في تلك الليلة...
وضعت زهراء البطاقة فوق مكتبها.
ولم تضعها في غرفة الجلوس.
ولم تعلقها على الحائط كأنها إنجاز عائلي.
بل احتفظت بها لنفسها.
كذكرى.
وكدرس.
وكحقيقة لا تريد نسيانها.
سألتها قبل النوم
تذكار لأي شيء؟
نظرت إلى البطاقة.
ومررت أصابعها فوق الصورة ببطء.
ثم قالت
تذكار يذكرني بأن علي لا يدين لنا بنهاية سعيدة.
صمتُّ.
لأنني كنت أعلم أنها محقة.
نعم، لم يكن يدين لنا بشيء.
لا بعودة.
ولا بمسامحة.
ولا بعائلة
جديدة.
ولا حتى بقصة تنتهي كما نتمنى.
كل ما كان يدين به لنفسه هو أن يعيش.
وقد فعل ذلك.
أما نحن، فلم يبقَ لنا سوى أن نتعلم كيف نعيش مع الحقيقة.
لكن التعايش مع الحقيقة لا يعني الهروب من الذكريات.
فحتى بعد كل تلك السنوات...
ما زال علي يزورني في أحلامي.
أحيانًا أراه كما كان في تلك الليلة.
وجهه مغطى بالدماء.
وعيناه ممتلئتان بالخذلان.
وأحيانًا يقف أمامي بصمت.
ينظر إليّ مباشرة.
ثم يطرح السؤال نفسه الذي لم يفارقني منذ سنوات
لماذا يا أمي؟
في الماضي...
كنت أحاول أن أجيبه.
كنت أبحث عن الأعذار.
وأرتب الكلمات.
وأقنع نفسي أنني كنت أحاول حماية زهراء.
لكنني لم أعد أفعل ذلك.
لأنني أدركت أن بعض الأسئلة لا تملك إجابات تكفي.
ولا تبريرات تشفي ما حدث.
ولهذا...
عندما أستيقظ الآن من تلك الأحلام...
أتوجه إلى غرفة زهراء.
أطمئن إلى أنها تتنفس بهدوء.
أتناول دوائي.
وأُعد فنجان قهوتي.
ثم أبدأ يومًا جديدًا.
يومًا أعيشه دون أكاذيب.

دون أعذار.
ودون محاولات للهروب من الحقيقة.
أعيشه كامرأة أخطأت.
وكأم فشلت.
وكإنسانة أدركت الحقيقة بعد فوات الأوان.
تعلمت أن تصديق طفل لا يعني تدمير طفل آخر.
ولا يعني إصدار الأحكام قبل الاستماع.
ولا يعني التخلي عن التحقيق والبحث والتأكد.
ولا يعني أن نحمي أحد الأبناء على حساب الآخر.
بل أن نحمي الجميع حتى تظهر الحقيقة كاملة.
علي لم يتبرع بكليته.
ولم يعد إلى المنزل.
ولم يعانقنا.
ولم ينقذ عائلتنا.
ورغم أن الاعتراف بذلك ما زال يؤلمني...
فقد كان محقًا.
لأن العائلة التي حطمتك...
لا يحق لها أن تطلب منك أن تكون الدواء الذي يشفي جراحها.
حصلت زهراء على كلية من شخص غريب.
وفقدت أنا الحق في أن أطلب أي شيء من ابني.
وفقد حيدر القدرة على تسمية كراهيته حمايةً أو أبوةً.
أما علي...
ذلك الابن الذي طردناه إلى الشارع ذات ليلة...
فكان الوحيد الذي فهم الحقيقة قبلنا جميعًا.
فهم أن بعض الأماكن لا يمكن النجاة فيها.
وأن بعض الجراح
لا تُشفى بالعودة.
وأن الإنسان أحيانًا...
لكي يبقى على قيد الحياة...
عليه أن يستدير.
ويمضي في طريقه.
وألا ينظر خلفه أبدًا.

 

تم نسخ الرابط