عدت من رحلة عمل

لمحة نيوز

عدت من رحلة عمل لأجد زوجتي ورضيعي على وشك الموت… بينما كانت أمي تصفها بـ”الكسولة”. وعندما رأى الطبيب معصميها، طلب الاتصال بالشرطة فورًا.

“لو رعاية طفل تقيلة عليكِ للدرجة دي يا سلمى، كان ماكنتيش أصلًا تبقي أم.”

كانت هذه أول جملة سمعتها عندما دخلت غرفة النوم في بيتنا.

اسمي أحمد المصري. أعيش في أحد أحياء أطراف القاهرة الجديدة، وأعمل مدير عمليات في شركة نقل بضائع. زوجتي سلمى حسن، أنجبت طفلنا الأول يوسف منذ ستة أيام فقط.

كانت لا تزال تمشي ببطء، ظهرها يؤلمها، وجهها شاحب، وابتسامتها مرهقة… ابتسامة شخص يحاول إقناع نفسه أنه بخير. كنت أراها تقوم لإرضاع الطفل منتصف الليل، ثم تعتذر لأنها “لم تُنظّف البيت بعد”.

أمي نادية لم تحب سلمى يومًا.

كانت تقول إنها “عنيدة زيادة”، “مستقلة أكثر من اللازم”، و”مش مناسبة تبقى زوجة مطيعة”. وأختي سارة كانت تردد نفس الكلام وكأنه حقيقة ثابتة.

وقبل ولادة يوسف بشهور، ساءت الأمور أكثر عندما بدأت أمي تضغط عليّ كي أشتري شقة من مدخراتي… لكن باسمها هي.

“كده تفضل في العيلة”، كانت تقول. “الزوجات بيروحوا وييجوا يا أحمد… إنما الأم هي الأساس.”

لكن سلمى رفضت من أول يوم.

“مش هاسمحلك تضيع مستقبل ابننا عشان ترضي ست بتكرهني”، قالت لي وهي تبكي في المطبخ.

كنت أظن أنها تبالغ… وارتكبت أكبر خطأ في حياتي.

عندما وُلد يوسف، اعتقدت أن أمي ستتغير. جاءت إلى المستشفى تحمل هدايا، حملت الطفل وقبّلت جبينه، ووعدت أنها ستساعدنا.

لكن بعد ثلاثة أيام، حدثت مشكلة في مخزن بالإسكندرية، واضطررت للسفر فورًا.

كانت لحظة سيئة جدًا، لكن أمي عرضت البقاء مع سلمى.

“روح شغلك وانت مطمّن”، قالت. “أنا ربيت قبل كده… بنتك محتاجة شوية شدة بس.”

وضحت سارة ضاحكة: “متكبرش الموضوع… هي مش لوحدها.”

سلمى كانت جالسة على سرير المستشفى، صامتة… تنظر إليّ وكأنها تقول: لا تتركني.

لكنني ذهبت.

خلال ثلاثة أيام كنت أتصل كثيرًا، وكانت أمي ترد دائمًا: “سلمى نايمة.” “يوسف كويس.” “كل حاجة تحت السيطرة.”

حتى سمعت صوت سلمى أخيرًا… كان ضعيفًا جدًا.

“أحمد… ارجع من فضلك.”

تجمد دمي.

“في إيه؟”

قبل أن ترد، أخذت أمي الهاتف: “مفيش حاجة… دي بس حساسية بعد الولادة.”

شعرت أن شيئًا داخليًا انكسر.

في اليوم الرابع، عدت دون إبلاغ أحد. اشتريت حفاضات، وحلوى من المخبز الذي تحبه سلمى، وبطانية صغيرة خضراء ليوسف.

عندما وصلت، كان باب البيت نصف مفتوح.

رائحة طعام فاسد ملأت المكان. التلفاز يعمل بصوت عالٍ. أمي وسارة نائمتان في الصالة وسط أطباق متسخة وأكواب مبعثرة.

شعرت برعب داخلي.

ركضت إلى غرفة النوم.

سلمى كانت ملقاة على السرير… لا نائمة.

كانت شاحبة، شفتاها متشققتان، وشعرها ملتصق بوجهها. تبدو وكأنها تستغيث منذ أيام دون أن يسمعها أحد.

وبجانبها يوسف يبكي بصوت ضعيف مبحوح، حرارته مرتفعة جدًا، وجسده يحترق.

“سلمى!”

فتحت عينيها بصعوبة، وعندما رأتني بكت بلا قوة.

“أخدوا مني الموبايل…” همست.

قبل أن أرد، ظهرت أمي عند الباب.

“متصدقهاش يا أحمد… دي بتحب تبين نفسها ضحية.”

سارة قالت ببرود: “بتلفت الانتباه بس.”

حملت يوسف وشعرت بحرارته القاسية.

في تلك اللحظة

أدركت أن زوجتي وطفلي لا يحتاجان نقاشًا… بل مستشفى فورًا.

ركضت بهما خارج المنزل.

أمي كانت تصرخ: “هتشوف إنها كانت بتمثل!”

لكن في الطوارئ، الطبيب فحص سلمى ثم يوسف، ونظر إليّ بغضب لن أنساه.

“زوجتك وطفلك في حالة جفاف شديد جدًا.”

ثم نظر إلى معصمي سلمى.

“والكدمات دي لازم لها تفسير… حالًا.”

في تلك اللحظة، أدركت أن ما حدث أكبر مما تخيلت… وأخطر بكثير مما ظننته.
الجزء الثاني 👇

في غرفة الطوارئ، لم أكن أستطيع أن أتنفس بشكل طبيعي.

كل شيء كان سريعًا ومربكًا… ممرضون يركضون، أجهزة تُصدر أصوات إنذار، وسلمى تُنقل على كرسي متحرك بينما تمسك يدي بضعف وكأنها تخشى أن أختفي مجددًا.

“متسبنيش…” قالت بصوت مكسور.

اقتربت منها ووضعت يدي على يدها: “أنا هنا… مش هسيبك تاني أبدًا.”

ثم أخذوا يوسف إلى غرفة أخرى، وطلب الطبيب إدخاله فورًا للملاحظة بسبب ارتفاع الحرارة الشديد.

وقفت وحدي للحظات، أحاول استيعاب ما يحدث، لكن صوت الطبيب قطع تفكيري.

“حضرتك لازم تفهم إن الحالة دي مش إهمال بسيط.”

نظرت له بقلق: “يعني إيه؟”

فتح ملفها الطبي وقال بهدوء شديد لكن حاد: “في علامات واضحة على إنها كانت تحت ضغط نفسي وجسدي شديد، ومع الكدمات اللي على معصمها… ده يخلينا نشك في حاجة أخطر.”

تجمدت مكاني.

“أخطر زي إيه؟”

لم يرد مباشرة، فقط قال: “إحنا بلغنا قسم الشرطة زي ما هو إجراء طبيعي في الحالات دي.”

في تلك اللحظة شعرت أن الأرض تميل بي.

“شرطة؟! لأ… الموضوع مش كده… ده بيت عيلة… سوء تفاهم…”

لكن الطبيب قاطعني: “لما نوصل لدرجة إن أم ورضيعهم

في حالة خطيرة، الموضوع بيبقى أبعد من سوء تفاهم.”

لم أجد ردًا.

عدت إلى سلمى، كانت ممددة على السرير، عيناها نصف مغلقتين.

“أحمد…” همست.

“أنا هنا.”

سكتت لحظة، ثم قالت: “مامتك… كانت بتقفل عليّا الأوضة.”

تجمدت.

“إيه؟”

دمعت عيناها: “كانت بتقولي إني بتمثّل… وإن الطفل هيضيع مني لو اشتكيت… وأختك كانت بتسكتني كل ما أطلب أخرج أو أطلب أكل…”

شعرت وكأن الهواء اختفى من الغرفة.

“كنت بخاف… وكنت تعبانة… ومكنتش قادرة أقف…”

قبضت يدي بقوة لدرجة الألم.

“يوسف؟” سألتها بصوت مرتجف.

“كان بيعيط كتير… ومحدش كان بيدخلهلي غير لما يهدى… أوقات كتير كنت مش شايفاه بالساعات…”

لم أستطع الرد.

في تلك اللحظة دخلت ممرضة بسرعة: “حضرتك، الطفل بدأ يتحسن شوية، لكن لسه تحت الملاحظة.”

تنفست بصعوبة، لكن قبل أن أستوعب، ظهر رجلان من الشرطة عند باب الطوارئ.

اقترب أحدهما وسألني بهدوء: “حضرتك أحمد المصري؟”

أومأت.

“محتاجين نسجل أقوالك بخصوص الحالة دي.”

نظرت إلى سلمى… ثم إلى الممر… ثم إلى يديّ التي ما زالت ترتجف.

كل شيء كان ينهار أمامي.

لكن الأسوأ… أني بدأت أفهم أن ما حدث في غيابي لم يكن مجرد قسوة… بل شيء أكبر بكثير مما كنت أتصور…
الجزء الثالث 👇

وقفت أمام ضابط الشرطة وكأن لساني قد انعقد.

كان يسجل ملاحظاته بهدوء، بينما في الخلفية كانت سلمى تُنقل إلى غرفة أخرى للملاحظة، ويوسف تحت الرعاية الطبية.

“حضرتك كنت فين وقت اللي حصل؟” سألني الضابط.

ابتلعت ريقي بصعوبة: “كنت في شغل… في سفر… مكنتش أعرف إن الوضع وصل لكده.”

رفع نظره إليّ

بتركيز: “مين كان موجود معاهم في البيت؟”

ترددت لحظة… ثم قلت: “أمي… وأختي.”

سكت الضابط ودوّن شيئًا في دفتره.

وفي تلك اللحظة، سمعت صوت صراخ في الممر.

“ده كذب! البنت دي بتمثل!”

 

تم نسخ الرابط