كان ساعات يقعد ساكت بالساعات ويبص من الشباك، وكأنه مستني حد أو مستني حاجة تحصل. وفي ليلة من الليالي، دخلت عليه لقيته ماسك صورة قديمة جدًا لأمي وبيعيط في هدوء. أول ما شافني مسح دموعه بسرعة وقال إنه بخير، لكني أصريت أعرف ماله. سكت شوية وبعدين قال فيه سر عمره ما اتقال يا طارق... ويمكن الوقت جه عشان تعرفه. وقتها حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. أبويا عمره ما كان بيخبي عني حاجة، فإيه السر اللي مستنيه كل السنين دي؟ بدأ يحكي إنه قبل ما أمي تموت بسنين، كان عنده شريك عمر اسمه عبدالرحيم. الاتنين أسسوا تجارة صغيرة وكبرت جدًا مع الوقت، لكن في لحظة معينة حصل خلاف كبير بينهم. عبد الرحيم سافر واختفى من البلد، وأبويا كمل لوحده. قبل سفره، الشريك كتب ورقة بخط إيده بيقر فيها إن فيه قطعة أرض ضخمة وممتلكات كتير مشتركة بينهم، وإن نصها حق لأبويا مهما طال الزمن. المشكلة إن الورقة الأصلية اختفت، ومع اختفائها ضاع الحق كله. استغربت جدًا وسألته ليه بيحكيلي دلوقتي. قال إنه أثناء مرضه كان بيفتكر الماضي كتير، وتذكر إن الورقة ما ضاعتش زي ما كان فاكر، لكنه خبّاها زمان جدًا في مكان محدش يعرفه غيره. بعدها طلب مني أجيب صندوق خشب قديم موجود فوق السطح. طلعت جري وجبته، وفضل يدور بإيده المرتعشة وسط أوراق قديمة وصور لحد ما طلع ظرف أصفر متآكل من الزمن. فتحناه سوا، ولقيت الورقة فعلًا موجودة. كنت ببص لها وأنا
مش مصدق. أسماء وتوقيعات وأختام رسمية وتفاصيل أراضٍ وعقارات بمبالغ خيالية. سألته وده يفيدنا إيه دلوقتي بعد السنين دي كلها؟ ابتسم لأول مرة من فترة طويلة وقال لأن عبد الرحيم رجع. اتصدمت. اتضح إن الراجل رجع مصر من شهور قليلة جدًا بعد غياب عشرات السنين، وبقى واحد من أكبر رجال الأعمال في البلد. أبويا عرف بالصدفة من التلفزيون، لكنه كان مريض ومش قادر يتحرك أو يعمل حاجة. ومن هنا بدأت رحلة جديدة تمامًا. جمعت الأوراق والمستندات وبدأت أدور على عبد الرحيم. الموضوع كان صعب جدًا لأن الراجل بقى عنده شركات وحراسة ومكاتب في كل مكان. وبعد محاولات كتير قدرت أوصل لموعد قصير معاه. دخلت مكتبه وأنا متوقع معركة كبيرة، لكن اللي حصل صدمني. أول ما قلت اسمي وشاف الورقة، قام من مكانه فجأة وعينيه دمعت. فضل يبص للورقة وبعدين قال شاكر لسه عايش؟. قلت له أيوه. سكت ثواني طويلة وبعدها طلب يقابل أبويا فورًا. يوم المقابلة كان غريب جدًا. راجلين كبار في السن، فرق بينهم الزمن والظروف وسوء الفهم، لكن أول ما شافوا بعض حضنوا بعض وبكوا زي الأطفال. وقتها عرفت إن فيه حاجات أكبر من الفلوس وأكبر من الخلافات. عبد الرحيم اعترف إنه فضل طول عمره حاسس بالذنب بسبب اللي حصل بينهم، وإنه حاول يدور على أبويا أكتر من مرة لكنه فشل. وبعد مراجعة المستندات، اتضح إن حق أبويا فعلاً موجود وقانوني. خلال شهور قليلة، رجع لأبويا جزء كبير من
أملاكه القديمة وأرباح ضخمة تراكمت على مدار السنين. فجأة بقينا نملك ثروة عمرنا ما تخيلناها. لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب من كل اللي فات. خبر رجوع الأموال انتشر بسرعة، وناس كتير بدأت تظهر من العدم. أقارب عمرنا ما شفناهم، وأصدقاء اختفوا من سنين، وحتى ناس كانت بتتجنبنا أيام أزمة أبويا. الكل بقى فجأة بيسأل علينا وعايز يقرب منا. ووسط الزحمة دي كلها، رجعت شيرين تتواصل معايا من جديد. كانت خارجة من أزمتها منهارة ومكسورة تمامًا. أول رسالة منها كانت مجرد كلمة واحدة سامحني. فضلت أبص للشاشة وقت طويل ومش عارف أرد. جزء مني كان لسه موجوع من اللي عملته، وجزء تاني كان فاكر إنها أختي مهما حصل. تجاهلت الرسالة أيام، لكنها فضلت تبعت. مرة تحكي عن ندمها، ومرة تعترف بأخطائها، ومرة تطلب تشوف أبويا قبل ما يموت. لما حكيت لأبويا، فاجأني برده. قال اللي عملته ما يتنساش... لكن باب التوبة عمره ما يتقفل. وبعد تفكير طويل وافقت إنها تيجي تزوره. اليوم ده كان من أصعب أيام حياتي. شيرين دخلت البيت وهي مختلفة تمامًا عن البنت اللي كنت أعرفها. لا دهب ولا فساتين فخمة ولا مكياج ولا مظاهر. كانت باينة عليها سنين من التعب والحزن. أول ما شافت أبويا وقعت على ركبها وفضلت تبكي بشكل هستيري. كانت بتكرر كلمة واحدة حقك عليا. الدموع كانت مالية عيون الكل. حتى أنا اللي كنت شايل منها جبل غضب حسيت إن المشهد كسر حاجة جوايا. أبويا
سكت شوية وبعدين قال لها ربنا يسامحك يا بنتي. الكلمة دي كانت كأنها رفعت جبل من فوق صدرها. من يومها بدأت تحاول تصلح اللي أفسدته. باعت اللي فاضل من ممتلكاتها وساعدت في أعمال خير كتير، وكانت تزور أبويا باستمرار وتحاول تخدمه بنفسها. صحيح الجرح عمره ما اختفى بالكامل، لكن الحياة علمتنا إن الإنسان ممكن يقع أسوأ وقعة، ومع ذلك يفضل عنده فرصة يرجع لو كان صادق. مرت السنوات، وأبويا بقى رمز احترام في البلد كلها. الناس كانت تعرف قصته وتحكيها لأولادها. أما أنا فكنت كل ليلة أبص له وهو قاعد وسط أحفاده وأقول بيني وبين نفسي إن ربنا عوضه عن كل لحظة قهر عاشها. وفي إحدى الليالي الهادئة، جمعنا كلنا حواليه وقال بصوت مليان راحة أنا خلاص مرتاح دلوقتي. فضل يحكي ويضحك معانا لحد ما نام على كرسيه المفضل في الجنينة. ولما قربنا منه لقيناه رحل بهدوء شديد، كأنه اختار اللحظة اللي قلبه أخيرًا اطمأن فيشها. يومها بكينا، لكن دموعنا كانت مختلفة. كانت دموع حب وامتنان لرجل عاش شريفًا ومات مرفوع الرأس. وبعد رحيله بسنوات طويلة، كل ما حد يسألني عن أغلى درس اتعلمته في حياتي، أقول له إن المال ممكن يروح وييجي، والصحة ممكن تضيع وترجع، لكن الإنسان الحقيقي هو اللي بيظهر وقت الأمانة، وقت المسؤولية، وقت ما يكون في إيده مصير حد ضعيف محتاج له. وساعتها فقط تعرف معدن الناس على حقيقته، من غير أقنعة ولا مظاهر ولا دهب ولا حفلات.