كنت ببعت مية ألف جنيه كل شهر لأختي شيرين عشان ترعى أبونا العيان، وكنت فاكر إني مطمن عليه وإنه عايش آخر أيام عمره مكرم ومصان، لكن الحقيقة كانت أبشع من أي كابوس ممكن يجي في خيال بني آدم. أنا طارق، مهندس عشت سنين طويلة في الغربة، أشتغل من الفجر لنص الليل عشان أوفر لأبويا كل حاجة يحتاجها بعد ما الجلطة ضربته وخدت منه صحته وحركته. أمي ماتت من سنين، وأبويا هو اللي ربانا وشالنا فوق كتافه لحد ما كبرنا، وعشان كده لما مرض حسيت إن أقل واجب عليا إني أوفر له أفضل علاج وأفضل رعاية. كنت ببعت الفلوس لشيرين من غير ما أسأل أو أراجع، لأن دي أختي الصغيرة اللي كنت مستعد أديها عمري كله من غير تردد. كانت كل مرة تكلمني وتقولي إن أبويا بخير وإن الممرضة موجودة وإن العلاج ماشي وإنه بيسأل عليا ويدعيلي، وكنت أصدق كل كلمة وأحمد ربنا إن عندي أخت واقفة جنب أبوها بالشكل ده. لكن في يوم حسيت بحاجة غريبة جوايا، إحساس مش مريح، فقررت أنزل مصر فجأة من غير ما أقول لحد. أول ما وصلت البيت لقيت حفلة صاخبة، أكل وشرب وأغاني وضحك، وشيرين وسط الناس كلها لابسة دهب كتير وفستان تمنه يكفي علاج أبويا شهور. استغربت لكن خوفي على أبويا خلاني أجري على أوضته قبل أي حاجة، وهناك كانت الصدمة الأولى لما لقيت الأوضة اتحولت لغرفة ملابس خاصة بشيرين، مليانة شنط وأحذية وفساتين.
سألت عنه بجنون، والشغالة وهي مرعوبة دلتني على المخزن القديم ورا البيت. كسرت القفل ودخلت، وهناك شفت أبويا مرمي على مرتبة قديمة وسط القذارة والريحة الخانقة. كان هزيل بشكل مرعب، وعينيه مليانة دموع وقهر، ولما شافني مد إيده المرتعشة وقال بصوت ضعيف كنت عارف إنك هترجع يا ابني. في اللحظة دي حسيت إن الدنيا كلها اسودت في وشي. حضنت أبويا وأنا ببكي لأول مرة من سنين، ووعدته إن اللي حصل ده مش هيعدي. طلعت بيه فورًا من المكان واتصلت بالإسعاف ونقلته لأكبر مستشفى خاص في المحافظة. الأطباء أول ما كشفوا عليه أكدوا إنه متعرض لإهمال شديد وإن حالته كانت ممكن تنتهي بكارثة لو اتأخر أيام قليلة كمان. وقتها بدأت أجمع كل الأدلة. راجعت حساباتي البنكية واكتشفت إن ملايين الجنيهات اتحولت خلال سنة واحدة لحساب شيرين. راجعت كاميرات البيت القديمة اللي كانت متوصلة بسحابة إلكترونية ولسه محتفظة ببعض التسجيلات، ولقيت مشاهد صدمتني أكتر. شيرين كانت بتطرد الممرضات الواحدة ورا التانية عشان توفر فلوسهم، وكانت بتحط لأبويا أقل أنواع الأكل وأرخصها، وفي أوقات كتير كانت تسيبه بالساعات من غير حد يبص عليه. جمعت التسجيلات والشهادات الطبية وأقوال الجيران وحتى الشغالة اللي قررت تتكلم بعد ما ضميرها تعبها. بعدها رجعت البيت وقت ما كانت الحفلة لسه شغالة. دخلت الصالة والكل
سكت أول ما شافني. شيرين حاولت تبتسم وتسألني إمتى وصلت، لكني عرضت الفيديوهات على الشاشة الكبيرة اللي كانت مستخدمة في الحفلة. ثانية وراء ثانية، والوجوه بدأت تتغير. الضحك اختفى، والموسيقى سكتت، والناس بقت تبص لشيرين بصدمة واحتقار. حاولت تنكر، حاولت تصرخ وتقول إن الكل بيتآمر عليها، لكن الأدلة كانت أقوى من أي كذبة. بعض أصحابها خرجوا فورًا، والبعض الآخر فضل واقف مصدوم. بعدها رفعت عليها قضية استيلاء على الأموال المخصصة للعلاج وإهمال متعمد لشخص عاجز. القضية شغلت الناس كلها في البلد، وكل يوم كانت تظهر تفاصيل جديدة. اتضح إنها صرفت ملايين على السفر والحفلات والدهب والسيارات، بينما أبويا كان محبوس في المخزن. المحكمة استمعت للأطباء والشهود، وشافت التسجيلات، وفي النهاية صدر الحكم ضدها. يوم الحكم ما حسيتش بالانتصار قد ما حسيت بالحزن. كانت أختي في النهاية، والبنت اللي لعبت معاها وأنا صغير وحميتها من الدنيا، لكن جشعها خلاها تخسر كل حاجة. بعد شهور طويلة من العلاج، بدأت صحة أبويا تتحسن تدريجيًا. رجعت له شوية من قوته، وبقى يقدر يقعد ويتكلم ويخرج للجنينة. كل يوم كنت بقعد جنبه بالساعات أسمع حكاياته القديمة وأحاول أعوضه عن سنة كاملة من الوجع والوحدة. وفي يوم وإحنا قاعدين سوا تحت شجرة الليمون اللي زرعها بإيده من سنين، بص لي وقال يا ابني،
الظلم عمره ما بيدوم، وربنا ساعات بيمهل لكنه ما بيهملش. ساعتها فهمت إن أكبر انتقام مش كان السجن ولا الفضيحة، أكبر انتقام إن أبويا عاش وشاف الحقيقة تظهر للناس كلها، وإن ربنا رجع له كرامته بعد ما حاولوا يدفنوها وهو لسه عايش. وبعد سنة كاملة، رجع البيت مليان حياة من جديد. اتجوزت البنت اللي كانت واقفة جنبي طول الأزمة، وأبويا حضر فرحي وهو مبتسم لأول مرة من زمان. وفي آخر الليل، لما الناس كلها مشيت، لقيته ماسك إيدي وبيقول دلوقتي أقدر أمشي وأنا مطمن. لكن ربنا كان كريم معانا، وعاش بعدها سنين كمان وسط حب واحترام وراحة كان يستحقهم من زمان. أما شيرين، فبقت عبرة لكل واحد يبيع أهله عشان المال، لأن الفلوس اللي جمعتها راحت، والدهب اللي لبسته اتباع، وأصحاب المصلحة اختفوا، ومفضلش غير الحقيقة اللي عرفها الكل. وحكايتي دي علمتني إن أقرب الناس ليك ممكن يكونوا أكبر اختبار في حياتك، وإن الأمانة لما تضيع من القلب، صاحبها بيضيع معاها مهما جمع من مال أو نفوذ، لكن البر والوفاء عمرهم ما بيروحوا عند رب العالمين.
رغم إن الحكم صدر وإن الناس كلها كانت شايفة إن الحكاية انتهت عند كده، إلا إن الحقيقة كانت لسه مخبية فصول أصعب وأغرب بكتير. بعد ما أبويا خرج من المستشفى ورجع البيت، بدأت أحاول أرجع حياتنا لطبيعتها، لكني كنت ملاحظ إن فيه حاجة تقيلة جوه قلبه.