في يوم تخرج ولدي
في يوم تخرّج ولدي، اختار أم زوجته تمشي جنبه، وأنا سكت لين العميد نطق اسمي قدّام القاعة كلها
صباح تخرّج ولدي، وقف قدّام المراية يعدّل ياقة الروب الأسود، وبعدين طالعني في عيوني وقال لي بهدوء بارد إن مكاني بيكون أفضل بين الجمهور. بعدها التفت لأم زوجته وطلب منها تمشي معه، تتصور معه، وتوقف جنبه في اللحظة اللي أنا اشتغلت لها اثنين وعشرين سنة. ما قلت شي. خليت الناس تبتسم وتصفق وتكمل اليوم كأن اللي صار طبيعي. هم شافوا أم لابسة فستان بسيط واقفة على الطرف. ما شافوا السنين اللي وراها. وما كانوا يعرفون إن قبل نهاية العصر، العميد بنفسه بينادي اسمي في المايك وبيخلّي القاعة كلها تلتفت للجزء من الحكاية اللي محد انتبه له.
كان الحرم الجامعي في ذاك الصباح كأنه صورة من مجلة.
كراسي بيضا مرتبة صفوف، أعضاء هيئة التدريس بعباياتهم الأكاديمية يتحركون على المسرح مثل موجة غامقة، وأهالي لابسين ألوان صيفية، يهوّون على وجيههم ببرامج الحفل تحت سما زرقا هادية. هذا كان المشهد اللي تخيلته سنين طويلة وأنا أرجع من الشفتات المتأخرة، وأجهز غداءه قبل الفجر، وأحسب الريالات والدولارات على طاولة المطبخ بعد ما أدفع فاتورة الكهرب.
كان المفروض ما أحس إلا بالفخر.
بس كل ساعة كانت تمر، كنت أحس إني أختفي شوي شوي.
ريان كان بعيد عني من شهور، لكن صباح التخرج وضّح كل شي بطريقة ما قدرت أرقّعها لنفسي. أي اقتراح مني يقابله بتصحيح ناعم. أي محاولة أساعده فيها يبعدها بابتسامة مؤدبة. بياتريس، أم فاليري، كانت تتحرك في البيت بفستان حرير عاجي ومجوهرات ناعمة، كأنها طول عمرها صاحبة هالمكان وهاللحظة.
باسَت خد ريان وقالت كل شي كامل يا
أنا مدّيت يدي أعدل تجعيدة صغيرة في كمّه، من عادت الأم مو أكثر.
رجع خطوة ورا.
قال بصوت خافت ماما تكفين.
وقفت مكاني.
تنفس ببطء ونزّل صوته أكثر، كأنه خايف أنا أخرب الهدوء.
قال أحتاج اليوم يمشي بسلاسة.
قلت أكيد. أنا بس كنت أساعد.
طالع ناحية الممر، وين بياتريس وفاليري واقفات.
وبعدين قال الجملة اللي ظلت ترن في صدري ساعات.
لما تهتمين فيني بهالطريقة تصعبين الأمور.
في لحظات بالحياة، الدنيا ما توقف ولا تسرع. بس تصير حادّة. شعاع الشمس من الشباك. ريحة بخاخ الشعر والقهوة. صوت ماكينة قص عشب من بيت الجيران. لاحظت كل شي لأن قلبي كان يدور شي يمسك فيه غير النظرة اللي في وجه ولدي.
ابتسمت.
مو لأني بخير.
لأن الأمهات يتعلمن من بدري كيف يثبتن في غرفة محتاجة صمتهن.
في القاعة، استمر نفس الشي.
صور أول شي مع فاليري. بعدها مع بياتريس. بعدها مع أبو فاليري. بعدها صور ثانية لأن الإضاءة تغيّرت. وأنا واقفة على الطرف، شنطتي معلقة في معصمي، أشوف ناس غرباء يباركون لهم كأني ضيفة وصلت بدري وما عرفت وين تجلس.
ولما بدأوا يرتبون موكب الخريجين، التفت لي ريان بس يكفي يقول تقدرين تروحين لمقعدك.
ثم التفت لبياتريس.
قال لها تمشين معي للداخل؟
وجهها نور فورًا. قالت يشرفني.
وبكذا، المرأة اللي دخلت حياته من كم سنة أخذت مكان أنا دفعت ثمنه فاتورة بقالة ودوام إضافي وليلة بلا نوم ودمعة مخفية وابتسامة مكابرة.
مشيت للجمهور وجلست لحالي.
حولي، الآباء يعدلون ربطات العنق، الأمهات يضبطن الشراشيب، والكل رافع جواله. وحدة كانت جالسة بعد كرسيين همست لزوجها وهي تطالعني هذا ولدها في صف المتفوقين. وبعدين ابتسمت لي بلطف.
رجعت لها
أحيانًا لطف الغريب يوجع أكثر من برود القريب، لأنه يجي في المكان اللي كان المفروض يجي منه الاعتراف.
بدأ الحفل.
الأسماء تُقرأ. التصفيق يطلع على دفعات هادية. فرقة نحاسية جنب المسرح تعزف بين الفقرات. ريان كان وسيماً في روبه، أطول من آخر صورة في ذاكرتي، وأبعد مما المفروض يكون شخص جالس بينه وبيني ثلاثين ياردة.
لما مشى على المسرح، الجمهور صفق. فاليري دمعت. بياتريس شبكت يديها على صدرها بحركة مرتبة لدرجة كأنها متدربة عليها، ومع ذلك الكل شافها أمّاً فخورة.
ريان وقف للصور، مبتسم، ناجح، لامع، بالضبط مثل ما تمنيت طول عمري.
بس ما دور علي.
بعدها كان فيه استقبال في قاعة الخريجين. مفارش بيضا، صواني موية فوارة، فواكه، وحلويات صغيرة. لقيت ريان عند الشبابيك مع فاليري وأهلها.
كان يضحك.
يضحك من قلب.
الضحكة اللي ما سمعتها منه من شهور.
انتظرت لين انقطع الحديث بشكل طبيعي، وتقدمت منه.
قلت كنت رائع اليوم.
رد بسرعة شكرًا.
مديت له ظرف رفيع كنت جايبته معي. داخله رسالة وهدية بسيطة، شي شخصي ما له قيمة قدّام الناس، بس عندي كان يعني سنين.
ما أخذه.
قال ماما، بعدين يمكن. الحين بنقابل العميد وكم شخص من القسم.
فاليري ارتبكت نص ثانية. بياتريس لا. لمست ذراع ريان وقالت هذي هي يا حبيبي، كأنها تعيد توجيهه للنسخة الأرقى من يومه.
في تلك اللحظة، شيء داخلي تحرك.
مو بصوت.
ولا بانهيار.
بس بالقدر الكافي عشان أفهم إن وقوفي هناك زيادة دقيقة يعني إني أعلم ولدي إن حبي يقدر ينضغط وينثني ويتصغر بأي شكل يطلبه.
فتراجعت.
لقيت كرسي فاضي عند الجدار البعيد وجلست، ويدي فوق الظرف في حضني.
القاعة تتحرك حولي بموجات مصقولة.
ولا أحد كان قاسي بصراحة.
وهذا كان أصعب.
القسوة الواضحة على الأقل تعلن نفسها. لكن اللي صار كان أنعم. أرتب. إبعاد هادئ ملفوف بأدب.
ثم اقترب العميد من المايك مرة ثانية.
في البداية ما ركزت. حسبتها كلمة شكر إدارية، جملة ختامية قبل لا يطلع الناس للصور والحجوزات والغداء.
لكن نبرته تغيرت.
تكلم عن العمل اللي ما ينشاف. عن التضحيات الهادية. عن الناس اللي أسماءهم ما تنكتب في كتيبات الحفل ولا على لوحات المتبرعين، لكنهم يشيلون الطلاب أبعد مما تقدر أي قاعة تقيس.
شيء في المكان تبدل.
رفعت رأسي.
ريان كان واقف جنب بياتريس، نص وجهه للمسرح.
فاليري رفعت حواجبها.
ابتسامة بياتريس بقيت مكانها، لكن بصعوبة.
العميد طالع في بطاقة صغيرة بيده، ثم رفع عيونه على الجمهور.
ولما قال الجملة التالية، كل حديث حولي توقف.
قال في بيننا اليوم أم ما طلبت يومًا أن يذكر أحد اسمها ومع ذلك، اسمها موجود في كل خطوة وصل لها ابنها.
قلبي طرق صدري.
ظنيت يمكن يتكلم عن وحدة ثانية.
ثم قال اسمي.
بوضوح.
قدّام الجميع.
ريان التفت بسرعة كأن أحد ناداه هو، لا أنا. بياتريس جمدت. فاليري غطت فمها بيدها.
أما أنا، فبقيت جالسة ثانيتين، والظرف تحت أصابعي كأنه صار أثقل من كل السنين.
العميد مد يده ناحية المسرح وقال نرجوكِ تتفضلين.
وقفت ببطء.
كل عين في القاعة صارت علي.
مشيت بين الكراسي، أسمع صوت كعبي الهادئ على الأرض، وأحس بنظرات الناس تنتقل من فستاني البسيط إلى وجه ريان، ثم
ولما وصلت عند أول درجة من المسرح، العميد نزل خطوة بنفسه، مد يده، وقال بصوت