حماتي كل يوم بتتسحب بعد نص الليل
من ساعة ما "سليم" شرف الدنيا، والحيطة مالت بينا. "عصام" جوزي، مهندس شاطر بس حظه عاثر، دخل في "سبوبة" بورصة وتداول بفلوس ناس، والدنيا خربت فوق دماغه. شقتنا في فيصل بقت ضيقة علينا وعلى همومنا، فقلنا نلم العزالي ونروح بيت "الحاجة روحية" في المنيب.. بيت قديم، جدرانه شربانة رطوبة، بس ريحة البركة فيه.
الحاجة روحية، حماتي، ست من "ريحة الحبايب"، من يوم ما مات جوزها وهي شايلة "شيلة" عيالها فوق كتافها ولا اشتكت. البيت كان هدوء، لحد ما عدى أول أسبوعين، وبدأت "النداهة" تناديها كل ليلة!
الشك دخل البيت:
كل يوم، الساعة تضرب 11 بليل، الدنيا تسكت، إلا من صوت "تزييق" الباب الحديد اللي تحت. كنت بقف ورا الشيش، أشوف خيالها وهي بتتسحب، لابسة "عباية" سودة ولامّة طرحتها جامد، وتجري في الزقاق زي اللي وراها تار. وترجع قبل آذان الفجر، وشها أصفر زي الليمونة، وعينيها داخلة لجوه من التعب.
بس مش ده اللي جنني.. اللي جنني هي "الريحة"!
كل يوم الصبح، البيت كله يتقلب ريحة زفارة دم على كلور على "قرف" مش مفهوم. كنت أقول لعصام: "يا عصام
عصام كان يزعق فيا ويقولي: "أمي طاهرة، بلاش أوهام!"، بس أنا شفت القلق في عينيه.
ليلة المواجهة:
في الليلة الـ 15، مقدرتش أسكت. سليم كان بيعيط، والجو كان حر وخنقة. شفتها وهي طالعة، صحيت عصام من عز نومه: "قوم يا عصام.. لو مخفناش ورا أمك النهاردة، يبقى بنضحك على بعض.. السر تحت في الزقاق!"
مشينا وراها زي الحرامية، هي تمشي وإحنا نستخبى ورا العربيات المركونة. فضلت ماشية لحد ما وصلت لمنطقة "المدبح".. زحمة، وعربيات نص نقل، وريحة دم بتزكم المناخير. دخلت "خمارة" قديمة مهجورة اتحولت لمخزن "سقط" (أحشاء).
المشهد اللي يكسر الظهر:
وقفنا ورا شباك مكسور، وشوفنا اللي ميتوصفش..
الحاجة روحية، اللي كنا بنخاف عليها من نسمة الهواء، كانت قاعدة على "كرسي مقطوع"، قدامها جبال من "الكرشة والممبار وفواكه اللحوم" اللي لسه طالعة من الدبيحة بزفارتها وقرفها.
كانت ماسكة "سكينة ثلمة" وفرشة، وبإيديها اللي
صاحب المخزن، راجل بكرش وبؤه مبيبطمش شتيمة، حدف قدامها كومة تانية وقالها بغل: "إخلصي يا ست أنتي! الـ 100 جنيه اللي بتاخديها دي أنتي مش قدها.. لو الممبار ده مطلعش يبرق، مش هتشوفي مليم، والغلابة اللي مستنيين يبيعوه في السوق الصبح هياكلوا وشي!"
الحاجة روحية وطت راسها بكسرة وقالت بصوت مبحوح: "حاضر يا معلم.. حقك عليا، هخليه قشطة والله، بس متقطعش عيشي."
عصام لما شاف المنظر ده، انهار.. سجد في الأرض وهو بيخبط على راسه وصوته طالع بوشيش: "يا فضيحتك يا عصام.. يا سواد يومك يا عصام.. أمي بتغسل فضلات المواشي بليل عشان أنا أعيش هانم؟"
سر الـ 200 ألف جنيه:
استنينا لحد الساعة 3 الفجر. طلعت الحاجة وهي بتمسح إيدها في منديل مبلول بكلور، وبتعد "شويه فكة" في إيدها. عصام طلع لها من الضلمة زي العفريت: "يا أمي!"
الست اتجمدت مكانه، والمنديل وقع من إيدها. عصام مسك إيدها، لقاها مهريّة، الجلد متشقق ونازف من كتر الكيماويات والمنظفات.
عصام صرخ: "ليه يا أمي؟ ليه تبهدلي شيبتك في القرف ده؟"
طلعت من صدرها "دفتر توفير" ولفّة فلوس، وقالت والدموع نازلة تغسل وشها المرهق: "سمعتك يا ضنايا وأنت بتعيط في البلكونة وبتقول إنك مديون بمليون جنيه، وإنهم هيحبسوك ويشردوا مراتك وابنك.. بعت الدهب اللي حيلتي وجبتلك 800 ألف، بس كان ناقص 200 ألف.. سألت في كل حتة، ملقيتش شغلانة تلم القرش بسرعة غير هنا في نوبة الليل.. قلت "الكرشة" تتغسل والوساخة تروح، بس ابني ميتغسلش وشه بالذل ورا القضبان."
قالتها وشهقت من العياط: "كنت عايزة أكملهم لك بكرة وأقولك أهم يا ابني.. أنا أسفة لو ريحتي قرفتكم، كنت بحاول أطهر نفسي بالكلور قبل ما أدخل البيت عشان متشكوش."
عصام ركع وباس رجليها، وأنا اترمينا في حضنها وإحنا بنشهق. الريحة اللي كنت قرفانة منها، بقت في اللحظة دي أحلى من ريحة "برفانات" الدنيا كلها.. دي ريحة "الستر".
النهاية:
من يومها، وعصام اتغير 180 درجة. باع الموتوسيكل الغالي بتاعه، ونزل يشتغل ورديتين، وحلف يمين إن الحاجة روحية متلمسش "المكنسة" حتى في البيت.
بقينا كل يوم الصبح، نصحى نلاقيها قاعدة في البلكونة وسط زرعها، وشعرها