حكاية لوسي وجارتها العجوز حكايات حماده هيكل
كنت أحتسي قهوتي الصباحية، أشاهد الأخبار، وأستمتع بذلك الصمت الذي تتعلم أن تحبه بعد سنوات طويلة من العيش وحيدًا.
ثم جاء طرق على الباب.
فتحتُ الباب وأنا أرتدي روب المنزل، ولم أكن في أفضل حالاتي.
كانت الجارة الجديدة من الشقة 302.
نحيلة. شاحبة. تحمل طفلًا نائمًا ملتصقًا بصدرها.
— «معذرة يا سيدتي… هل لديكِ قليل من السكر؟»
أعطيتها نصف كوب.
حتى إنني لم أدعُها للدخول.
وفكرتُ في نفسي: «فتيات هذه الأيام لا يعرفن حتى كيف يملأن خزانة المطبخ.»
لكنها عادت في اليوم التالي.
ثم الذي بعده.
ثم الذي بعده.
دائمًا في الساعة 8:17 صباحًا.
دائمًا بعد أن ينزل زوجها إلى الجراج، يشغّل دراجته النارية، ويرحل.
دائمًا والطفل بين ذراعيها.
ودائمًا تنظر نحو الدرج قبل أن تطرق بابي.
— «سكر مرة أخرى؟» سألتها ذات خميس، وقد بدأت أشعر بالضيق.
حاولت أن تبتسم.
لكن الابتسامة فشلت.
في تلك اللحظة بدأت ألاحظ حقًا.
كانت عيناها متورمتين.
ليس بسبب قلة النوم.
بل من كثرة البكاء.
وكان الطفل يرتدي نفس الملابس الصفراء منذ ثلاثة أيام.
لم يكن معها هاتف أبدًا.
ولا حقيبة.
ولا
وكلما سمعت خطوات في الممر، يتجمد جسدها وكأن أحدهم يصوب مسدسًا إلى قلبها.
اسمي كارمن.
أبلغ من العمر اثنين وسبعين عامًا.
وقد رأيت الكثير في هذه الحياة.
وهناك أنواع من الخوف تستطيع تمييزها حتى لو جاءت متخفية في هيئة أدب وتهذيب.
في صباح الاثنين التالي، عندما طرقت الباب، لم أعطها السكر.
بل تنحيت جانبًا.
— «ادخلي.»
تجمدت في مكانها.
— «لا أستطيع البقاء طويلًا.»
— «إذًا ادخلي بسرعة.»
دخلت وهي تضم الطفل بقوة إلى صدرها.
كانت تفوح منها رائحة الحليب الفاسد، والصابون الرخيص، والخوف.
سكبت لها فنجان قهوة.
وما إن أمسكت الكوب حتى بدأت يدها ترتجف.
— «ما اسمكِ يا عزيزتي؟»
— «لوسي.»
— «والصغير؟»
— «إميليانو.»
فتح الطفل عينيه الصغيرتين ونظر إليّ وكأنه متعب هو الآخر.
خفضت صوتي.
— «لوسي… هل تحتاجين فعلًا لكل هذا السكر؟»
امتلأت عيناها بالدموع قبل أن تتمكن من الإجابة.
وأدركت حينها أن سؤالي قطع آخر خيط كان يمنعها من الانهيار.
— «لا»، همست. — «أنا لا آتي من أجل السكر.»
وقفتُ بلا حراك.
نظرت نحو الباب.
ثم تحدثت بصوت خافت جدًا جعلني
— «إنه العذر الوحيد الذي يسمح لي بالخروج من الشقة. هو يتحكم في كل شيء. المال. الاتصالات. رسائلي. حتى إنه يعدّ الحفاضات.»
شعرتُ ببرودة تسري في دمي.
— «زوجكِ؟»
أومأت لوسي برأسها.
وسقطت دمعة فوق رأس الطفل.
— «إذا نزلتُ إلى المتجر، يحسب الوقت. وإذا اتصلتُ بأمي، يراجع سجل المكالمات. وإذا قلت إنني أريد الخروج، يسألني لماذا. لكن المجيء إليكِ…» نظرت إليّ بخجل، «المجيء إليكِ يسمح به، لأنه يقول إنكِ مجرد عجوز وحيدة ولا تشكلين أي خطر.»
عجوز وحيدة.
كدت أضحك.
ليس لأن الأمر مضحك.
بل من شدة الغضب.
ذلك الرجل لم يكن يعلم أن امرأة عجوزًا دفنت زوجها، وخوفها، وصبرها منذ زمن… قد تكون أخطر من أي فتاة صغيرة.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد منزلي مجرد منزل.
بل أصبح ملجأً.
كانت لوسي تأتي كل صباح ومعها كوبها الفارغ.
وأنا أضع السكر في الأعلى حتى يبدو الأمر طبيعيًا.
لكنني كنت أخبئ أشياء أخرى تحته.
ورقة بأرقام المساعدة.
بلوزة نظيفة.
عشرة دولارات.
مفتاحًا احتياطيًا.
وهاتفًا قديمًا احتفظت به بعدما اشترى لي حفيدي هاتفًا جديدًا.
— «لا تشغليه هناك»،
أومأت برأسها كطفلة تتلقى التوبيخ.
لكنها كانت تتنفس بحرية أكثر مع كل يوم.
وعادت الحياة تُسمع في مطبخي من جديد.
تعلم إميليانو الزحف بين الكراسي.
وبدأت لوسي تضحك بهدوء.
في البداية وكأنها تستأذن.
ثم ضحكت حقًا.
أخبرتني أن اسم زوجها أدريان.
وأنه في البداية كان حنونًا.
ثم بدأ الأمر بعبارات مثل: «لا يعجبني كيف ينظر إليكِ ذلك الرجل.»
ثم: «لا تعملي، أنا سأصرف عليكِ.»
ثم: «أمكِ تتدخل كثيرًا.»
ثم اختفت المفاتيح.
وصار المال يُحسب.
ثم الصراخ.
ثم الدفع والعنف.
ثم الاعتذارات.
والورود.
ثم يعود الصراخ من جديد.
— «أشعر بالخجل»، قالت لي ذات يوم. — «كنت دائمًا أقول إن هذا لن يحدث لي.»
أمسكت يدها.
— «هذا ما يقوله الجميع… حتى يقابلوا وحشًا بوجه الحب.»
استغرق الأمر منا ثلاثة أشهر للتخطيط للهروب.
ثلاثة أشهر نجمع فيها الأوراق.
شهادة ميلاد إميليانو.
بطاقتها الشخصية.
بعض الملابس.
الأدوية.
ورقم أختها في شيكاغو.
كنت أحتفظ بكل شيء لها داخل علبة بسكويت فوق الثلاجة.
— «حين تصبحين مستعدة، تعالي إليّ»، قلت لها. — «في أي وقت.
نظرت إليّ لوسي وكأنني قدمت لها العالم كله.
— «وماذا لو جاء؟»
نظرتُ إلى عصاي المستندة قرب الباب.
— «إذًا سيندم لأنه استهان بعجوز وحيدة.»
لكن هذا الأسبوع… تغير أدريان.
شعرت بذلك قبل أن تخبرني حتى.
وصلت لوسي متأخرة.